رمى تعيين كريم سعيد حاكماً سابعاً لمصرف لبنان "حجراً" في مستنقع جمود الإصلاحات الهيكلية في القطاع المصرفي بشكل خاص، والتعافي الاقتصادي بشكل عام. فطافت على سطح المياه الراكدة أسئلة كثيرة عن رؤية من يحمل بيده "العصا والجزرة" في علاقته مع المصارف التجارية. وتراصت حلقات التخّمين عن الدور الذي يلعبه في إعادة أموال المودعين؛ هذا إنّ كنا متفائلين في التوصيف الذي يحمل اسماً تقنياً متشائماً هو "توزيع الخسائر".
الحاكم الجديد لمصرف لبنان الذي سيجلس على كرسي كبار من أمثال فيليب تقلا، الياس سركيس، وإدمون نعيم، وميشال خوري، لن يجده مقعداً وثيراً، بل مشوّكا بتحديات كثيرة. تبدأ التحديات بتنظيف المركزي، وتمر باعادة هيكلة القطاع المصرفي، لتصل إلى رسم السياسة النقدية، وتحديد المسافة بينه وبين الدولة. ولعلّ المواجهة الأكبر التي قد يواجهها سعيد، ستكون بين (كريم) الباحث الحر، الذي عبّر عن تصوره الخاص لحل الأزمة اللبنانية عبر خطة "هارفرد" التي نادت بدولرة الاقتصاد و تحميل الدولة مسؤولية الودائع، (راجع مقال: "نحو انتعاش مستدام لاقتصاد لبنان".. دراسة أكاديمية جديدة من "هارفرد" – الصفا نيوز 30 تشرين الثاني 2023)، وبين (كريم) الحاكم، المحكوم بتوازنات داخلية دقيقة، والمقيد بإصرار رئيس الحكومة نواف سلام "إلتزام الحاكم، أيا كان، السياسة المالية للحكومة الإصلاحية، كما عبّر عنها البيان الوزاري لجهة التفاوض على برنامج جديد مع صندوق النقد الدولي وإعادة هيكلة المصارف، ووضع خطة متكاملة وفق أفضل المعايير الدولية للحفاظ على حقوق المودعين".
أولوية الإصلاحات بحسب التوجهات
"ما يُطالب الحاكم بتطبيقه، يتطلب معرفة توجهاته المستقبلية وما التزم شخصيا بتنفيذه"، يقول الأستاذ المحاضر في قوانين النقد والمصارف المركزية توفيق شنبور. "فإذا كان همّه الأول إعادة أموال المودعين، فيجب أن يبدأ برفع الغطاء عن الجهات التي سددت قروضها باسعار وهمية، وملاحقة المصارف التي استفادت من مبالغ مالية تتراوح بين 10 و30 في المئة من الناتج القومي بقيمة سنوية تبلغ 7 مليارات دولار في المتوسط، وتجاوز مجموعها على مدار السنوات الماضية 60 مليار دولار". فمثل هذه الإجراءات تساعد على رد أموال المودعين بسرعة وكفاءة عاليتين"، يضيف شنبور. "أما إذا كان الهدف تبرئة المصارف، وإبعادها عن المحاسبة، فيستطيع أيضا من خلال الصلاحيات المجمعة بين يديه تبعاً لقانون النقد والتسليف".
صلاحيات الحاكم الواسعة
يعطي قانون النقد والتسليف، والقانونين 2/67 و110/91، حاكم المصرف المركزي صلاحيات استثنائية لمراقبة المصارف، ومحاسبتها وصولاً إلى حلّها"، تقول عضو رابطة المودعين دينا أبو الزور. فإذا كان المصرف يواجه تعثراً يمكن لحاكم المركزي إقالة مجلس الادارة وتعيين آخر من قبله لإصلاح أوضاعه، وفي حال ثبت عجز المصرف التام يمكن حله وتسوية أمور المودعين". وعلى الرغم من كون الحاكم ملزم بتطبيق سياسة الحكومة، إلا أن رأيه يعتبر أساسياً إلى جانب وزير المالية في وضع خطة التعافي، تقول أبو الزور. وكون الحاكم بعتبر رئيساً مباشراً على هيئة التحقيق الخاصة و الهيئة المصرفية العليا، وبشكل غير مباشر على لجنة الرقابة على المصارف فان دوره ,موقفه أساسيان في الرقابة على المصارف وإعادة هيكلتها.
عدم جر لبنان إلى رد الديون البغيضة
الموقف السابق للحاكم الجديد من إعادة هيكلة المصارف، والذي عبّر عنه في "خطة هارفرد" بتقليص حجم القطاع المصرفي بنحو الثلثين، يتطلب "رفع السرية المصرفية بشكل جلي، و بمفعول رجعي مفتوح، خلافا للمشروع الذي أقرته الحكومة"، برأي شنبور. ومن ثم تحديد الهدف من الخطة ما إذا كان مجابهة الازمة، أو معالجة أسبابها التي أوصلتنا إلى الوضع الحالي". ومن غير الممكن بحسب شنبور "الاعتماد على خطة هارفرد لمعالجة الانهيار، كون الخطة تجمع بين دينين من طبيعتين مختلفتين، وهما الدين للمودعين بصفتهم دائنين، والدين لأصحاب السندات بصفتهم مستثمرين. ومن ثم تحميل سلة الدين للحكومة. وهو الأمر الذي يخالف قراراً من محكمة العدل الأوروبية، الذي يقول أن الودائع للمودعين تعتبر دين خاص (لطيف) محمي بالدستور لا يمكن المس به. في حين ان الدين على المستثمرين يعتبر دينا بغيضاً odious debt مكون من نظام استبدادي، لا يجوز تنفيذه.
أهمية استعادة الثقة
تحقيق التعافي والنمو الاقتصادي يتطلبان من حاكم مصرف لبنان استعادة الثقة بالدرجة الاولى، برأي الخبير المالي والمصرفي نيكولا شيخاني، وهذا لا يتحقق إلا من خلال خمسة أمور أساسية يجب أن تُعطى الاولية في المرحلة المقبلة:
- إعادة الانتظام المالي من خلال رسملة مصرف لبنان والمصارف التجارية.
- استعادة ثقة المستثمرين والمصارف المراسلة بالقطاع المصرفي.
- اتباع سياسة نقدية جديدة صارمة لإعادة النظر بسعر الصرف.
- الخروج من الاقتصاد النقدي بتعاميم صارمة تجبر القطاع المصرف والمواطنين على استعمال القطاع المصرفي في كل المعاملات المالية.
- وضع خطة صارمة وسريعة لإعادة أًموال المودعين كلياً، بنسبة 100 في المائة ، ذلك أن رد أموال المودعين من دون اقتطاع كفيل وحده بتحفيز المستثمر الخارجي على وضع أمواله في لبنان، وإعادة القوة الشرائية للمودع ليستثمر أمواله في الداخل وإعادة تنشيط الدورة الاقتصادية.
الدوامات الدائرية من أسئلة وافتراضات وآمال التي ولّدها انتخاب حاكم جديد لمصرف لبنان لن تلبث أن تتلاشى، ليحل مكانها واحد من أمرين: إما عودة المياه إلى ركودها، وإما تحريكها من القاع لإزالة كل الترسبات. والايام القادمة كفيلة بتوفير الإجابات.