حين يتحدّث الجميع عن دخول لبنان مرحلة جديدة يلتبس لدى معظمهم تحديد طبيعة هذه المرحلة، ويختلط عليهم موعد انطلاقها، وقد ذهب بعضهم إلى حدّ القول إن موعد تشييع الأمينَين العامَّين ل"حزب الله" السيّدَين حسن نصرالله وهاشم صفي الدين في 23 شباط الجاري هو التاريخ الفاصل بين ما قبل وما بعد.
قد يكون تحديدهم هذا التاريخ مرتبطاً بالتوجّه الافتراضي الجديد لـ "الحزب" نحو الدولة واتفاق الطائف، على الأقل في الخطابَين الأخيرَين للشيخ نعيم قاسم خلال التشييع والنائب محمد رعد في مجلس النواب، بعد القطع مع مرحلة استئثاره بقرار الحرب والتحكّم بسيادة الدولة.
لكنّ المرحلة الجديدة ليست مرهونة بخطاب سياسي مهما كان نوعيّاً وواعداً، بل بوقائع وحقائق ومتغيّرات لها ترجمتها في المكان والزمان وليس فقط في الإعلان. لذلك، يفرض تاريخ 9 كانون الثاني 2025 نفسه (إنتخاب العماد جوزف عون رئيساًً للجمهورية بخطاب قسَمه النوعي) كموعد لانطلاق لبنان الجديد.
أمّا في ما يتّصل بطبيعة المرحلة الجديدة التي تبلغ عمر الشهرين بعد عشرة أيّام، فلا بدّ من الإضاءة على حقيقتها لئلّا تبقى عرضة للتفسير الاستنسابي وتعدّد القراءات والتقويمات. ويمكن، على سبيل تبسيط الشرح، اختصار هذا الجديد الحاصل بعنوان واحد هو "الترابط والتزامن بين كلّ الملفّات اللبنانية"، فلا يحجب ملفٌّ ملفّاً آخر، ولا يتقدّم عليه، ولا يُلغيه أو يضعه على الرفّ.
وللتبسيط أكثر، يقتضي تكثيف ملفّات بناء لبنان الجديد في ثلاثة: معالجة أو تصفية سلاح "حزب الله" والميليشيات الأخرى اللبنانية وغير اللبنانية، إعادة الإعمار، وخوض غمار الإصلاحات في كل اتجاه.
تختلف المرحلة الجديدة عن سابقاتها لجهة توحيد المعالجة والخروج من نظرية "المقدّس"
سابقاً، وعلى مدى الحكومات والعهود منذ ما بعد اتفاق الطائف ودستوره 1990، جرى الفصل بين هذه الملفّات ما أدّى إلى فشل الدولة وتفكّك عراها تباعاً، وكانت وصاية نظام الأسد حتى سنة 2005 تفصل السياسة والأمن تحت "الجهاز المشترك" عن الاقتصاد والإنماء تحت إدارة الرئيس الشهيد رفيق الحريري ومَن جاء قبله وبعده.
وعلى أثر انتهاء هذه الوصاية، تولّى "حزب الله" مهمّة الفصل نفسه، فسادت بعد العام 2008 نظرية "ربط النزاع" بما تعنيه هذه العبارة من عدم المساس بسلاحه وحتى بمجرد الكلام الرسمي عنه وكأنه في رتبة المقدّس تحت ثلاثية "جيش وشعب ومقاومة" التي عاثت طويلاً في السيادة الوطنية بتشكيلاتها اللفظية المتنوّعة، وورّطت لبنان في حروب مدمّرة أرهقته شعباًّ وأرضاً ومؤسسات.
وطالما سعت الحكومات بين 2008 و2024 إلى معالجة ملفّات اقتصادية ومالية واجتماعية عبر قوانين إصلاحية، وفشلت جميعها بسبب تحييد أخطر الملفّات عن المعالجة وهو ملفّ السلاح غير الشرعي، لأن أي إصلاح لا يمكن أن ينجح إذا كان الأساس الوطني مضروباً، وأساس الأوطان والدول هو السيادة، فكيف يمكن تشييد بناء ثابت على أرض رملية غير مستقرة، وكيف يمكن بناء دولة تفتقر إلى السيادة وبحدود سائبة تحت مقولة "وحدة الساحات"؟
من هنا، تختلف المرحلة الجديدة عن سابقاتها لجهة توحيد المعالجة والخروج من نظرية "المقدّس"، ولم يعد ممكناً تنويم ملف السلاح بحجة معالجة ملفّي الإعمار والإصلاح.
وقد بات واضحاً ومحسوماً أن أموال الإعمار وكذلك أموال الإصلاح من المرجعيات العربية والدولية معقودة بإحكام على حلّ مسألة سلاح "حزب الله" وسواه، بل أبعد من ذلك، بات استقرار الجنوب وتحريره بالكامل من الاحتلال الإسرائيلي مرهونَين بهذه العقدة، فضلاً عن استمرار الغارات الإسرائيلية بحجة ملاحقة بؤر مسلّحة واستعدادات قتالية.
وقد يكون من الملائم منح "الحزب" بعض الوقت لتدبير الاستدارة التي وعد بها نحو التزام شروط الدولة واتفاق الطائف وقرارات الشرعية الدولية، فلا طرف لبنانياً يفضّل حلّ المسألة بالمكاسرة، رغم ارتفاع عقيرة بعض المحسوبين عليه بتشكيل فرق انتحارية من صفوفه بحجة القهر للانتقام من شركائهم في الوطن، وتلويحهم بحرمان المكوّنات اللبنانية من المدارس والمؤسسات والمستشفيات وأماكن العبادة إلى أن يتم ترميمها أو إعادة بنائها في بيئته، مع أن هذا الأمر سيستغرق سنوات!
قد يكون بين قيادات "حزب الله" مَن لا يزال يراهن على فصل ملفّه عن سائر الملفّات لعلّه ينجح في إحياء "ربط النزاع" والاحتفاظ بسلاحه، لكنّ شوطاً بعيداً ومتقدّماً قطعه الحكم والحكومة في الاتجاه المعاكس بإسناد داخلي داعم وخارجي حاسم، تبلّغته المرجعية الإيرانية وجهاً لوجه في قصر بعبدا، وتبلّغه "الحزب" نفسه عبر الغياب شبه الكامل للمكوّنات الوطنية عن احتفال التشييع تحت وطأة تسييسه.
ولعلّ الخلاصة الأُولى التي تتوصّل إليها قياداته في جلسات المراجعة التي بدأتها خارج الأضواء هي الانكفاء عن استخدام العواطف المتأججة في الشارع تحت وهج السلاح بعد فشل تجربة المطار في توظيف العنف، وبعد نجاح تجربة التشييع في التزام الهدوء.
هي مرحلة جديدة تقطع مع كل الأساليب والسقطات التي فرّغت لبنان من سيادته ومعناه وهدرت عافيته وطاقاته، وتفتح أفقاً نحو استقرار المنطقة وازدهارها وسلامها.