حين أجمعت جميع الأطراف السياسية اللبنانية على القول، غداة الانتخاب الرئاسي والتأليف الحكومي، إن مرحلة جديدة قد بدأت في لبنان، فإنها لم تُجمِع على ماهيّة هذا الجديد ومدى اتساعه، لأن بعضها أراده تجديداً شاملاً في السياسة والميدان والاقتصاد والمال والمجتمع وحتى في الأداء والذهنية، بينما أراده البعض الآخر جزئياً واستنسابياً بحيث يبقى الجانب الميداني والاستراتيجي والسيادي على قِدَمه خصوصاً في مسألة سلاح "حزب الله" ومفهوم المقاومة، وكذلك في مسألة فرض أعراف مختلَقة كمذهبية وزارة المال.
فعملاً بعنوان "حصر السلاح في يد الدولة" الوارد في خطاب القسَم والبيان الوزاري، حسم رئيس الحكومة الدكتور نوّاف سلام أهم ما في المرحلة الجديدة بإعلانه أن "صفحة سلاح حزب الله طويت وباتت ثلاثية شعب وجيش ومقاومة من الماضي"، فيما استمر "الثنائي الشيعي" في التمسّك بالسلاح خلافاً لكل الوثائق اللبنانية والعربية والدولية التي نصّت على تسليمه.
صحيح أن لا رئيس الحكومة ولا رئيس الجمهورية تناولا حتى الآن موضوع "الاستراتيجية الدفاعية" بصيَغها التي كانت مطروحة منذ 20 سنة ولم يتم إقرارها بسبب تمنّع "حزب الله" خلال مرحلة صعوده العسكري، لكنّ عنواناً آخر لهذه الاستراتيجية طرحه الرئيس جوزف عون في خطاب القسم وفي تصريحات لاحقة تحت عبارة "إستراتيجية الأمن الوطني"، ما يوحي بأن "الاستراتيجية الدفاعية" بمفاهيمها السابقة تمّ طيّها أيضاً بعدما تجاوزتها التطورات، وبعدما ماطل "الحزب" سنواتٍ وعهوداً في تقبّلها.
والثابت أن طاولات الحوار الوطني برئاسة الرئيس نبيه بري (2006) والرئيس ميشال سليمان (2012) شهدت أوراقاً ووثائق قدّمها معظم الأطراف حول هذه الاستراتيجية بإستثناء "حزب الله" بسبب فائض القوة التي كانت لديه وامتناعه عن أن يكون جزءاً من كل، فيما هو "فوق الكل".
وما رفضه آنذاك في مرحلة صعود القوة يحاول الآن العودة إليه في مرحلة هبوطها، مع رهانه على بقاء حرية سلاحه في صيغة ملتبسة دخيلة لا تعرفها الدول، سواء المحتلّة منها أو الحرة. وهذا الرهان المرحلي معقود على متغيّرات يظنّ أنها ستكون لمصلحة مرجعيته الإيرانية وفقاً لما يصرّح به غير مسؤول من بين مسؤوليه، وغير وجه من وجوه النظام الإيراني.
وفي مرحلة ما قبل "حرب الإسناد" ( تشرين 2023)، بلغ به الاعتداد بسلاحه وجبروته العسكري حدّ قول بعض قياداته إن الجيش "رديف للمقاومة" وليس العكس.
الآن، تبدّلت المعطيات والموازين، ولم يعُد ما كان يصلح لطاولات سنتَي 2006 و2012 وما بعدهما، على نواقصه ونقائصه، صالحاً للمرحلة الجديدة، وإذا كان لا بدّ من إستراتيجية فستكون بعنوان "إستراتيجية الأمن الوطني"، وهي تشمل كل قطاعات الدولة، وتكون إستراتيجية الدفاع جزءاً منها، لأن عبارة "الأمن الوطني" تعني كل مجالاته كالأمن الاقتصادي والمالي والقضائي والسياسي والدبلوماسي والغذائي والبيئي والتربوي والثقافي الخ، وصولاً إلى العسكري.
وفي المجال العسكري لم يعُد وارداً الأخذ بازدواجية السلاح بين أصيل ورديف أو مواجه ومساند، كما لا يصحّ إدخال "الحزب" في الجيش بلواء أو أكثر، لأن مذهبية هذا اللواء أو أكثر تتعارض مع اندماج الطوائف والمناطق في المؤسسة العسكرية كما هي الحال في القطاعات والألوية والأفواج ووحدات التدخّل.
وقد أشرنا مراراً إلى أن ثلاثية "شعب وجيش ومقاومة" كانت بتركيبها تعاني من عطب بنيوي في داخلها بسبب تناقض المقاومة مع الجيش والشعب، فهما متنوّعان من كل الطوائف والمناطق وهي أحادية المذهب والمنطقة، فلا تأتلف ولا تنسجم معهما، ولا يمكن دمج الثلاثة في حالة دفاعية واحدة.
وكل ما يمكن ترتيبه لهذه المسألة هو تطويع عناصر من "الحزب" وتأهيلهم وفقاً للأصول القانونية المتّبعة، وبدون إحداث أي خلل في الأنظمة العسكرية والتشكيل الوطني وعقيدة الدفاع.
في الواقع، يمكن بسهولة معاينة تغيير متعدد الاتجاهات في المرحلة الجديدة، ليس فقط في الخطاب السياسي الرسمي، بل في تشكيل الحكومة وتوازناتها، وفي السياسة الخارجية، وحتى في فكّ عقدة التوافق الشامل و"الإجماع الوطني" واعتماد التصويت في مجلس الوزراء عند الضرورة.
والأكيد أن هذا التغيير سيشمل مسألة الدفاع الوطني بحيث تكون القوى المسلّحة الشرعية وحدها مسؤولة عن الحفاظ على السيادة وسلامة الحدود والمَرافق وقرار الحرب تحت إمرة السلطة السياسية العليا، وهذا ما تعنيه بالضبط عبارة "حصر السلاح في يد الدولة".
وبالتأكيد ستسقط في الاستراتيجية الجديدة كل المقولات التي تجافي السيادة الحقيقية والتزامات لبنان العربية والدولية ومواثيق الأمم المتحدة والعقيدة القتالية الملازمة لتاريخ الجيش اللبناني، فلا يبقى أي أثر لـ "وحدة الساحات" و"محور الممانعة والمقاومة" و"السلاح يحمي السلاح" و"إسناد" هذا النظام أو ذاك الطرف والتدخّل في شؤون دول أخرى أو استعدائها، فضلاً عن تلك "الثلاثية" التي قطعت لها الدولة "وان واي تيكت".
أشياء كثيرة طويت صفحاتها وباتت من الماضي، وما على المعترفين بالمرحلة الجديدة سوى قبول كل مجالات التحديث والتطوّر وفي مقدّمها مسألة الاستراتيجية الوطنية، وانتهاء وظيفة السلاح غير الشرعي، مع خروجهم من الانتقائية في قبول تغيير هنا ورفض تغيير هناك.