منذ انتصار الثورة الخمينية في 11/2/1979 وقيام الجمهورية الإسلامية لم تكن علاقة إيران مع لبنان يوماً ندّيّة من دولة إلى دولة. في البدء استفادت طهران من ثغرة الولاءات المذهبية في لبنان ومن طبيعة النظام والبنية المجتمعية، لتتسلل إليه بمشروعها الديني السياسي ليكون الساحة البكر لتصدير الثورة. فكانت الانطلاقة مع قدوم "الحرس الثوري" الى بعلبك في العام 1982 والعمل على تأسيس "حزب الله".
لاحقاً مع انتهاء الحرب اللبنانية وتلزيم لبنان الى النظام السوري مطلع تسعينات القرن الماضي، استفادت إيران من إحكام شريكها "المضارب" في ترتيب البيت الشيعي قبضته على البلد لتعزيز حضورها من خلال تعاظم الدور العسكري لـ "الحزب". فبعد "حرب الإخوَة" التي دارت بين حركة أمل و"الحزب" منذ آذار 1988 وبين إيران وسوريا بالواسطة، نجح الأخيران في تنظيم العلاقة بينهما وترجم ذلك لبنانياً برعايتهما توقيع اتفاق سلام بين "الثنائي" الشيعي في 9/11/1990.
مع الانسحاب السوري في 26 نيسان 2005 غرق بشار الأسد في مستنقع حرب أهلية – دولية بدءاً من 15 آذار 2011، أصبح الدور الإيراني أكثر وقاحة في لبنان ومتكاملاً مع صعود وهج ما سمي "الهلال الشيعي" بعد سقوط بغداد وخسارة صدام حسين في 9 نيسان 2003.
لا يمكن تحميل طهران وحيدة مسؤولية التدخل في لبنان، بل المسؤولية تقع أيضاً على عاتق الطبقة السياسية التي كان بعضها مبايعاً لإيران وبعضها الآخر مستسلماً للأمر الواقع وقلة قليلة معارضة. كانت الدولة مستسلمة أمام "الدويلة" وصحّ على أهل الحكم القول: "ما كانت الحسناء ترفع سترها لو أن في هذه الجموع رجال"... رجال دولة يحفظون أقله ماء الوجه مع إدراكنا للأمر القائم ولموازين القوى.
لا يمكن تحميل طهران وحيدة مسؤولية التدخل في لبنان، بل الأمر يقع أيضاً على عاتق الطبقة السياسية التي كان بعضها مبايعاً لإيران وبعض آخر مستسلماً للأمر الواقع وقلة قليلة معارضة
إيران تباهت على لسان مسؤوليها أنها تسيطر على أربع عواصم عربية من ضمنها بيروت وأن لديها سبعة جيوش بما فيها "الحزب". بلغ الأمر حدّ اعتبارها أنها حققت إنجازاً تاريخياً إذ أعلن اللواء يحيى رحيم صفوي المستشار العسكري للمرشد الإيراني الأعلى في 13/6/2024 ان "الإيرانيين وصلوا ثلاث مرات إلى البحر الأبيض المتوسط، مرتين منها في عهدي الملكين الأخمينيين، قوروش الأول حوالى 500 سنة قبل الميلاد وأحشويروش (أو خشايارشا الأول) في عام 480 قبل الميلاد، و آخر مرة بواسطة "حزب الله" اللبناني الذي هو "على امتداد عقيدة الثورة الإيرانية"... ولم يكن هناك في السلطة من يوجّه أقله سؤالاً لطهران أو يستدعي سفيرها للاستفسار.
في خضم حرب "7 أكتوبر"، استفحل "المايسترو" الإيراني في إدارة محوره عازفاً مقطوعة "وحدة الساحات" وكان مسؤولوه يتردّدون إلى لبنان ويترأسون اجتماعات لـ"الحزب" و"حماس" و"الحرس الثوري" وباقي الفصائل ويعلنون جهاراً أن مصير جبهة لبنان مرتبط بمصير وقف النار في غزة. بالتوازي كان رئيس الحكومة نجيب ميقاتي يقول لمحاورته عبر "تلفزيون الجديد" في 13/10/2023: " انتي من عقلِك إنو قرار الحرب والسلم بيد الحكومة؟ انتي وين عايشة، بجزيرة كوراساو؟".
بلغت الوقاحة في استباحة دور الدولة اللبنانية انتهاك أبسط أصول التعاطي السياسي والديبلوماسي بين الدول حدّ إعلان رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف خلال مقابلة مع صحيفة "لوفيغارو" في جنيف في 17/10/2024، أن طهران مستعدة للتفاوض مع باريس بشأن تطبيق قرار مجلس الأمن الدولي 1701، مؤكداً أن إيران تسعى إلى تحقيق وقف فوري لإطلاق النار في جنوب البلاد. بالتوازي كان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يعلن في 4/1/2025 أن "مستقبل المقاومة في المنطقة واعد و"حزب الله" يعيد بناء قوته بشكل منظم".
حتى مع انتخاب رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون – ورغم وضوح خطاب القسم وصرامته سيادياً - كان السفير الإيراني مجتبى أماني في 9/1/2025 يبارك للبنانيين ويملي توجيهاته كاتباً عبر منصة X: "هناك مثلث ذهبي "جيش شعب مقاومة" وهذا المثلث يجب ان يستمر والمقاومة جزء من لبنان"، فيما حضر نائب وزير الخارجية الإيرانية وحيد جلال زاده إلى بيروت في 31/1/2025 مطالباً المسؤولين اللبنانيين بـ"تقديم افضل العناية اللازمة التي يحتاجها المواطنون السوريون الذين اضطرّوا نتيجة للمستجدات التي حدثت في سوريا إلى النزوح من سوريا إلى لبنان".
كلام عون أبعد من موقف ولحظة إنه بارقة أمل برجل دولة وبتحقيق حلم استعادة الدولة
غير أن 23/2/2025 سيكون ليس فقط يوماً تاريخياً مع تشييع الأمينين العامين لـ"الحزب" السيدين حسن نصرالله وهاشم صفي الدين بل محطة مفصلية في العلاقات اللبنانية – الإيرانية. الرئيس جوزاف عون سارع كرجل دولة خلال استقباله قاليباف برفقة عراقجي وأماني مع وفد مرافق إيراني مقدّماً التهنئة بانتخابه رئيساً للجمهورية إلى تأكيد "حرص لبنان على إقامة أطيب العلاقات مع طهران، لما فيه مصلحة البلدين والشعبين". كأنه يقول لهم "خوش آمديد" (أي أهلاً وسهلاً بالفارسية) في عهد عون الجديد حيث الندّيّة واحترام سيادة كل طرف للآخر هي الاساس.
بدماثة، وضع عون نقطة على السطر في علاقة شابها الكثير من التجاوزات والانتهاكات والفوقية في التعاطي فاتحاً صفحة جديدة وواضعاً الاصبع على الجرح بشفافية بقوله: "لقد تعب لبنان من حروب الآخرين على أرضه، وأوافقكم الرأي بعدم تدخل الدول في الشؤون الداخلية للدول الأخرى".
بذكاء أحرج الإيرانيين حين حاربهم بسلاحهم عبر قوله: "نشارككم في ما أشار إليه الدستور الإيراني في مادته التاسعة التي تؤكد أن "حرية البلاد واستقلالها ووحدة أراضيها وسلامتها، هي أمور غير قابلة للتجزئة". كما تؤكد على أنه "تتحمل الحكومة وجميع أفراد الشعب مسؤولية المحافظة عليها، ولا يحق لأي فرد أو مجموعة أو أي مسؤول أن يلحق أدنى ضرر بالاستقلال السياسي أو الثقافي أو الاقتصادي أو العسكري للبلاد، أو أن ينال من وحدة أراضي البلاد بحجة ممارسة الحرية".
بحكمة ظهّر عون إعادة تموضع لبنان وعودته الى الحضن العربي، فنوّه "بما صدر عن قمة الرياض الأخيرة والتي شاركت فيها إيران، لاسيما التأكيد على حل الدولتين بالنسبة الى القضية الفلسطينية، وعلى أن "السلطة الفلسطينية هي الممثل الشرعي للفلسطينيين". وهذا يقطع الطريق على إلحاق لبنان بالحضن الإيراني ومقاربته للقضية الفلسطينية وعلى وصف المرشد الأعلى للثورة الإسلامية الإمام علي الخامنئي في 29/11/2023 عبر منصة "أكس" مشروع "حل الدولتين" بـ "الخائن".
لم يطرح الإيرانيون مسألة وقف الخطوط الجوية بين لبنان وإيران لإدراكهم أن الخطوة اللبنانية ليست اعتباطية بل مرتبطة بتهديدات جدية وأن عون لن يتراجع عن قرار حماية لبنان وشعبه لا تحت ضغط "ورقة" الشارع وقطع "الحزب" طريق المطار ولا تحت أي ضغوط سياسية قد يمارسها. كلام عون أبعد من موقف ولحظة. إنه بارقة أمل برجل دولة وبتحقيق حلم استعادة الدولة.