هذا الحدث وما سبقه من أحداث متسلسلة ومتناسخة، تُظهر فرنسا المصنّفة واحدة من الدول الخمس الكبرى، دولة ضعيفة وعاجزة عن مقاربة إشكالية "الضواحي" وتدبير علاقة الدولة بالمجتمع المهاجر أو المتحدّر من أصول مهاجرة.
قبل أن تستفيق فرنسا من صدمة "السترات الصفر" التي اكتسحت شوارعها لأشهر عدّة، وقبل أن تلملم أشلاءها المتناثرة بعد الاحتجاجات العنيفة التي فجّرها مشروع إصلاح نظام التقاعد، وفي ظلّ انقسام سياسي حادّ داخل المجتمع الفرنسي، عبّرت عنه الانتخابات الاشتراعية التي أنتجت برلماناً متشظياً، أفقد تحالف الرئيس الغالبية المطلقة وأضعفته، عادت الأحياء الشعبية وشوارع المدن الكبرى الفرنسية لتهتز مجدداً على وقع ثورة غضب، فجّرها مقتل الفتى نائل المرزوقي (17 عاماً) برصاص الشرطة.
هذا الحدث وما سبقه من أحداث متسلسلة ومتناسخة، تُظهر فرنسا المصنّفة واحدة من الدول الخمس الكبرى، دولة ضعيفة وعاجزة عن مقاربة إشكالية "الضواحي" وتدبير علاقة الدولة بالمجتمع المهاجر أو المتحدّر من أصول مهاجرة. وتُبيّن عمق أزمة الثّقة بين الدّولة وشريحة وازنة من المجتمع في فرنسا، فهل وصل الوهن في الجسم الفرنسي إلى هذا الحدّ أم أنّ "الجمهورية" تخلّت فعلا عن الأحياء الشعبية المكتظّة بالسكان وبالغضب والفقر، رغم الوعود والخطب التي لم تتحقق؟
هذا الغضب المتنقّل من شارع إلى شارع ومن مدينة إلى مدينة، يكشف مقدار حجم النّار الخامدة تحت الرّماد، والذي ينتظر مجرّد شرارة للاشتعال. ويطرح مسائل قديمة - جديدة بشأن إدارة الصّراع المجتمعي، الذي يأخذ أبعاداً سياسية في فرنسا. لسان حال سكّان الضواحي يقول، إنّ الأمر يعبّر عن حالة بنيوية متجذّرة من الاستخفاف بمشاكل الضواحي، ودفع هذه المناطق وشرائحها المجتمعية نحو الهامش خارج المتن الحقيقي للبلد في خرائط الثروة والسلطة. أمّا لسان حال رجال الشرطة يقول، إنّهم يدفعون ثمن معضلة هي من مسؤولية الدولة والنظام السياسي بكلّ مكوّناته الموالية والمعارضة وهم (أي الشرطة) يدفعون ثمن ذلك.
هذا الغضب المتنقّل من شارع إلى شارع ومن مدينة إلى مدينة، يكشف مقدار حجم النّار الخامدة تحت الرّماد، والذي ينتظر مجرّد شرارة للاشتعال
هي الجريمة، طالما أنّ المدّعي العام وجّه تهمة القتل العمد إلى الشّرطي الذي أطلق النّار، وضحيتها فتى متحدّر من أصول عربية مهاجرة. والمأساة التي دفع ثمنها ذلك الشاب وعائلته تطلق جدلاً يتكرّر، ويتواجه داخله وخلفه جماعة اليمين وجماعة اليسار، بعضه يأخذ أبعاداً طبقية اجتماعية، لكنّ بعضها الآخر يأخذ بعداً هوياتياً ثقافياً يروق لأحزاب اليمين المتطرّف والتيارات الشعبوية أن تعزف على أوتاره.
وما بين الدفاع الحازم عن "الشّرطة صاحبة الحقّ في الدفاع عن أمن الفرنسيين" في خطاب اليمين المتطرّف، وإدانة اليسار لـ "رخصة القتل" الممنوحة لرجل الشرطة، فإنّ استغلال الحدث من أجل تصفية حسابات سياسية وتغذية أجندات انتخابية يتقدّم على نحو انتهازي خبيث.
وبالعودة إلى تاريخ الدّولة الفرنسيّة من عهد الملكيّة إلى عهد الجمهوريّة مروراً بعهد الثورة تكرّست قواعد سيئة، منها أنّ مهمّة الشرطة ليست حماية المواطنين بل حماية الدّولة، والتي تترجم اليوم بحماية "الجمهورية"، وما يزيد الطين بِلّة، منطق الشّرطة ومعها اليمين القائل إنّ "القوّة القانونية دائماً على حق" وأنّ "الشرطة لا تخطئ".
لكنّ أجهزة الأمن ترتكب الخطأ بالفعل والحوادث تتكرّر بانتظام، وفي أقلّ من عام واحد، خلال السنّة القائمة، سُجّل ارتكاب 13 خطأً تحوّلت إلى إطلاق نار على الأفراد من جانب رجال الشرطة!
هذه الحالة الفرنسية تبدو نافرة داخل الفضاء الأوروبي الكبير، حيث لا تُسجّل دولة مستويات العنف والشغب التي صارت من تقاليد الحراك السياسي والمجتمعي في فرنسا. وقد ندّدت منظّمات حقوقية عالمية بهذا التوجّه العنيف في معاملة الشّرطة للأفراد في فرنسا، وبينها مكتب مفوّض الأمم المتحدة السّامي لحقوق الإنسان، الذي دعا السّلطات الفرنسية إلى التأكّد من كيفية استخدام القوّة من قبل الشرطة واحترام مبادئ حقوق المواطنين. الأرجح أنّ حكاية فرنسا مع ماضيها الاستعماري، لا سيّما في شمال أفريقيا، كما فشل حكوماتها المتعاقبة في تحقيق الدمج الموعود لمجتمع المهاجرين، يُضاف إلى تخشّب عقليّة إداريّة ثقافية تتيح تسرّب عنصرية كامنة في عمل الشرطة، انتهاءً بجدل هوياتي مفرط في هذا البلد، كلّها عوامل تفسّر هَبّات الضواحي ولا تعِد بأيّ منافذ قريبة.
لكن في المقابل لا يمكن التغاضي عن حقيقة تنامي الحركات الاحتجاجية وتصاعدها والأشكال المنظّمة التي تأخذها، الأمر الذي يطرح السؤال عمَن يدير هؤلاء الشبّان في حراكهم ومَن ينظّم تحرّكاتهم؟ طبعاً ثمّة إجابات جاهزة، منها الإشارة إلى مصلحة اليسار المتطرّف أو اليمين المتطرّفَ في إشعال نار الفتنة بوجه إدارة ماكرون لتعزيز حظوظهم في الوصول إلى السّلطة، مع تنامي مشاعر النّاس نحو المزيد من التطرّف حيال ما يجري، إلّا أنّ هذا النّوع من التّحليل يبقى تحليلاً داخليّاً تقرّره موازين القوى والتحالفات السياسيّة على امتداد المساحة الوطنية.
وثمّة إجابات أخرى لا تقلّ أهمية وخطورةً يمكن لحظها، وهي الإشارة إلى ضلوع وتورّط جهات خارجية من منظّمات أو دول في ما يجري حالياً، وهذا الاحتمال لا يمكن إغفاله في ظلّ تنامي الأدوار الخارجية لفرنسا في أكثر من بقعة من بقاع العالم، والتي تتعارض أحياناً مع مصالح دول أخرى، إن كان في أوكرانيا أو شرق البحر المتوسط أو الملفّ النووي أو إفريقيا.