تعمل الحكومة اللبنانية بجدٍ لتحقيق الإصلاحات المفصلية المطلوبة قبل نهاية نيسان الحالي، تاريخ عقد اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين في واشنطن. وزيرا المالية والاقتصاد وحاكم المصرف المركزي، يعتزمون "شحن" أسلحتهم بـ"طلقات" القوانين المالية والنقدية الفعلية عند حضورهم الفعالية العالمية، بدلاً من تلك الخديعة التي استعملتها السلطة طوال السنوات الخمس الماضية. وذلك تمهيدا لإنجاز الاتفاق النهائي مع صندوق النقد.

بعد إقرار الحكومة مشروع قانون تعديل السرية المصرفية وإحالته إلى مجلس النواب، فاجأت وزارة المالية الجميع بالإعلان سريعا عن رفع مشروع القانون المتعلق بـ"إصلاح وضع المصارف في لبنان وإعادة تنظيمها"، إلى مجلس الوزراء، ليصار إلى مناقشته اليوم – 4 نيسان، تمهيدا لإقراره وإرساله إلى مجلس النواب. ويشكل القانونان أبرز المطالب الملحة والسريعة لصندوق النقد الدولي.

المشروع الجديد القديم

مشروع القانون المرفوع ما هو إلا المشروع الذي أعدته "لجنة الرقابة على المصارف" مع مصرف لبنان، وقدمه نائب رئيس الحكومة السابق سعادة الشامي إلى مجلس الوزراء في 10 تشرين الثاني 2023. وقد أُشبع هذا المشروع درساً داخل الحكومة وفي صندوق النقد خلال الفترة الماضية، من دون أن يتم الإتفاق عليه، أو تحويله إلى مشروع قانون يُرسل إلى مجلس النواب.

يتضمن المشروع، بالشكل العام، إعادة هيكلة المصارف من دون الدخول باستعادة الانتظام المالي وتحديد مصير الودائع"، يقول الأستاذ المحاضر في قانون الضرائب والمالية العامة، المحامي د. كريم ضاهر، في تعليق أولي على المشروع. وينطوي القانون على جزئين:

- الاول عام، يفترض أن يبقى ساري المفعول للسنوات القادمة، ويحل مكان القانونين 2/67 و110/ 91.

- الثاني خاص، وهو عبارة عن تدابير استثنائية تعالج الحالة الراهنة للمصارف التجارية في لبنان.

الافخاخ في المشروع

يقع مشروع القانون الحالي في 33 صفحة، أي بزيادة 10 صفحات عن المشروع السابق، ومع هذا بقيت العديد من الأمور الإشكالية التي أثيرت في الماضي من دون حل ومنها: السماح للمصرف تعيين "مخمّن"، وتسديد أتعابه، وهو "ما يعرض عملية تقييم الموجودات والمطلوبات للخلل"، بحسب رئيس لجنة الشؤون المصرفية وحماية حقوق المودعين في نقابة المحامين في بيروت الدكتور علي زبيب، كونه يحمل تضاربا في المصالح. وقد يدفع المخمّن إلى التلاعب بالأرقام، كزيادة قيمة الموجودات على سبيل المثال، كما يشتهي المصرف كون الأخير هو من يسدد أجره.

ولعل أخطر ما يتضمنه المشروع الإصلاح، هما أمران، بحسب زبيب:

- "غياب المحاسبة". إذ وعلى الرغم من كون إعادة الهيكلة لا تحمل اهدافاً جزائية، إلا أنه "من الضروري مساءلة مجالس إدارات المصارف التي أخطأت ونتج عن قراراتها تداعيات خطيرة.

- عدم اعتبار المصارف متوقفة عن الدفع، وبالتالي عدم عطف المشروع على القانونين: 2/ 67 و110/91.

قوننة "نظامية الأزمة"

الاعتراف قانونيا بـ "عدم توقف المصارف عن الدفع"، متوافق مع التوصيف الخاطئ للأزمة بانها نظامية. الأمر الذي يسمح للمصارف باستغلال هذا الواقع، للهروب من المسؤولية التعاقدية مع المودعين، والجزائية عن كل الانتهاكات التي سبق وتمت ممارستها خلال الفترة الماضية. والحل المنطقي برأي زبيب هو "العودة إلى القانون الذي يقول صراحة أن المصارف هي من تتحمل مسؤولية الودائع كونها ترتبط مع المودعين بعقد واضح وصريح بغض النظر عن كيفية توظيف هذه الأموال. وبالتالي فإن المودعين، بصفتهم دائنين وليسوا مستثمرين، يعتبرون غير مسؤولين عما آلت إليه الأمور. مع العلم أن توظيفات المصارف للأموال لدى مصرف لبنان رغم ارتفاع المخاطر، والتي يمكن الاستدلال عليها ببساطة بالفوائد المرتفعة التي كانت تدفع، هي قرار اتخذ عن سابق تصور وتصميم، بالتضحية بأموال المودعين، مقابل فوائد الهندسات المالية. وعليه لا يمكن توصيف الأزمة بالنظامية، على غرار ما حصل في المصارف الأميركية في العام 2008. فبعض المصارف اللبنانية، لمن لا يذكر، أقفلت أبوابها بع 17 تشرين الأول 2019 لمدة 12 يوم وحولت إلى الخارج مليارات الدولارات لمتنفذين واصحاب مصالح، مقابل فرضها كابيتال كونترول على عموم المودعين بشكل غير قانوني"، من وجهة نظر زبيب.

الإصلاح بالأفعال لا بالأقوال

لا يمكن إيهام المجتمع الدولي أنه بمجرد إقرار مشروعي القانونين المتعلقين بالسرية المصرفية وهيكلة المصارف في مجلس الوزراء، تُحل الازمة، وتصبح أبواب صندوق النقد مشرعة أم لبنان. فالمهم بهذه القوانين آلا تصيب بالشكل فقط، بل بالمضمون أيضا. هذا مكمن الخوف. إن تعديل قانون السرية المصرفية الذي يعتبر جيداً من حيث الشكل، يتضمن ربط كل التعديلات الاصلاحية باعادة هيكلة المصارف، وعليه "لا يمكن كشف السرية المصرفية إلا من ضمن تطبيق قانون إعادة هيكلة المصارف، وهذا فخ بحد ذاته كونه يصدر قانون يتضمن موجبا معلقا على شرط. الأمر الذي يعرض تطبيق القانون للفشل ويحملُ خطورة كبيرة"، من وجهة نظر زبيب. والأمر نفسه ينسحب على مشروع إصلاح وضع المصارف واعادة تنظيمها، الذي يتضمن افخاخ عديدة لها علاقة بالمحاسبة الجدية، وحماية أموال المودعين فعلاً لا قولاً، ولاسيما أن مشروع القانون مثلا يتضمن عبارة توزيع الخسائر".

في جميع الحالات فان الحلقة المفرغة التي تدور بها الإصلاحات المطلوبة منذ بداية الانهيار، تتمحور حول محاولة الهروب من المحاسبة والحفاظ على المكتسبات؛ وإلا، لكانت طبقت القوانين القديمة وفي مقدمتها قانون النقد والتسليف الذي يرعى كل جوانب العمل المصرفي، وقانونين 2/67 و110/91 المتعلقين بالمصارف المتعثرة. ولم يكن هناك من حاجة إلى "اختراع" مشاريع قوانين جديدة، يُنتظر أن يجري طمسها في مجلس النواب، وخصوصا في زمن المزايدات على حماية المواطنين قبل الانتخابات البلدية والنيابية، لنعود من جديد إلى نقطة الصفر. ومع هذا كله فإن العبرة تبقى في ملاءمة ما يوضع من قوانين مع المنطق ومصلحة البلد والمواطنين، وتطبيقها إن قدر لها وصدرت في قوانين.