أجواء لقاء جدّة واجتماعات الرياض اوحت أنّ لغة التخاطب بين المملكة والولايات المتحدة، تغيّرت واستبدلت لغة الاملاءات بلغة البراغماتية والبحث عن المصالح المشتركة ومراعاة خصوصية الآخر
الصيف الماضي زار الرّئيس الأميركي جو بايدن الرياض، أراد لتلك الزيارة أن تكون بداية صفحة جديدة بعدما ساد التوتّر العلاقة بين الديموقراطيين في أميركا والسعودية في أعقاب إعلانه عن مواقف متشدّدة ضدّ المملكة في حملته الانتخابية، أرفقها بعد انتخابه رئيساً بوقف تصدير الأسلحة الهجومية للجيش السعودي، التي كان في أمسّ الحاجة إليها في حربه في اليمن، وفرض عقوبات على مسؤولين سعوديين ومنع شخصيات سعودية من دخول الولايات المتحدة. ومع ذلك لَحَسَ بايدن كلامه السابق وركب الطائرة متوجهاً إلى الرياض لمقابلة الملك ووليّ العهد استدراكاً لـ "خطأ" وتحاشياً لإغضاب دولة غنية بالنفط، وتشكّل ثقلاً إقليمياً لا يمكن القفز فوقه أو تجاهله.
بعد عام على تلك الزيارة، أرسلت الولايات المتحدة وزير خارجيتها طوني بلينكن إلى جدّة للقاء الملك السعودي ووليّ العهد، وليؤكّد لهما أنّ الحلف الأميركي السعودي لا يزال قوياً ومتماسكاً. لكن يبدو أنّه جاء متأخراً. السعودية في السنة التي فصلت بين زيارتي بايدن وبلينكن، تغيّرت وتحوّلت نحو زبائنها في الشرق الأقصى، وأطلقت العنان لعلاقات جامحة مع الصين، سمحت لبكين أن تقود حواراً سعودياً إيرانياً أفضى إلى اتفاق تاريخي بين البلدين وفتح الباب أمام تحوّلات عميقة في الشرق الأوسط. ومن المفارقات أنّ إعادة افتتاح السفارة الإيرانية في الرياض بعد قطيعة ديبلوماسية دامت سبع سنوات، تزامنت مع وصول وزير الخارجية الأميركي إلى جدّة، وشاءت الصّدف أيضاً أن تتزامن زيارة الوزير الأميركي مع زيارة " العدو" الأبرز لـ "الامبريالية الأميركية" في أميركا اللاتينية، الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. ولعلّ في هذه "الصّدفة" رسالة من رسائل "التوازن" التي بدأت تبعثها الرياض في سياستها الخارجية. وكان سبقها رسالة مماثلة في قمّة جدّة العربية التي استقبلت في آن معاً الرئيس السوري بشّار الأسد، حليف روسيا، والرئيس الأوكراني فلودومير زيلينسكي حليف واشنطن.
محادثات بلينكن في المملكة كشفت بجلاء الافتراق بين الرياض وواشنطن في وجهات النظر في قضايا أساسية
محادثات بلينكن في المملكة كشفت بجلاء الافتراق بين الرياض وواشنطن في وجهات النظر في قضايا أساسية. عشية الزيارة، أعلنت السّعودية خفضاً طوعياً جديداً في إنتاجها من النفط، على عكس مشيئة واشنطن التي تريد زيادة الإنتاج من أجل تعويض حاجة الزبائن السابقين للنفط الروسي. وأصرّت على قرارها تطبيع العلاقات مع دمشق رغم الامتعاض الأميركي الذي كرّره الوزير أمام السعوديين.
تنامي الوجود الصيني في الخليج كان في متن المحادثات. قال بلينكن إنّ واشنطن لا تخيّر أحداً بينها وبين الصين. وكان الردّ السعودي التأكيد على نهج التنوّع في العلاقات، مع التذكير بأهمية تجديد الروابط مع واشنطن.
في الملفّ الفلسطيني - الإسرائيلي، كان الاختلاف واضحاً في وجهة النّظر الأميركية والسعودية. إدارة بايدن تريد إنجاز توقيع سلام سعودي - إسرائيلي يكون لها بمثابة الجائزة الكبرى مقارنة بإنجازات إدارة دونالد ترامب في الاتفاقيات الإبراهيمية بين إسرائيل ودول خليجية وعربية أخرى. إدارة بايدن تدرك تماماً أهمية إعلان السعودية جهوزيتها لتوقيع اتفاق سلام مع إسرائيل، وتأثير ذلك إقليمياً وعالمياً في كل الدول الإسلامية. ولذلك استثمرت زيارة بلينكن في هذا المسعى، لكنّها اصطدمت بالواقعية السّعودية. فالرياض لا ترى مانعاً في توقيع سلام مع الدولة العبرية، بشرط أن يسبق ذلك إنهاء الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي عبر إنجاز حلّ الدولتين على أن تكون القدس الشرقية عاصمة الدولة الفلسطينية. قيام هذه الدولة الفلسطينية هو في رأي المملكة، مفتاح السلام والاستقرار، على عكس ما تقوله إدارة بايدن إنّ مفتاح السلام والاستقرار هو القفزة النوعية في العلاقة السعودية - الإسرائيلية.
أجواء لقاء جدّة واجتماعات الرياض اوحت أنّ لغة التخاطب بين المملكة والولايات المتحدة، تغيّرت واستبدلت لغة الاملاءات بلغة البراغماتية والبحث عن المصالح المشتركة ومراعاة خصوصية الآخر. كأنّ إدارة بايدن سلّمت بأنّ السعودية دخلت حلبة الدول الفاعلة إقليمياً ودولياً، وأنّ الخطاب السياسي معها بات يتطلّب منها إعادة النظر فيه وإصلاح قواعده. فلا استغناء عن دور السعودية في حلّ المشاكل الإقليمية، ولا مجال لتجاهل مواقفها.
الرياض لن تعود إلى الوراء لاسيما أنّ ولاية بايدن اقتربت من عامها الأخير
الرياض لن تعود إلى الوراء لاسيما أنّ ولاية بايدن اقتربت من عامها الأخير، وهي ولاية مأزومة وتغرق في المشاكل وتهدّد بفقدان الديموقراطيين كرسي الرئاسة، فضلاً عن أنّ السعودية قطعت شوطاً طويلاً في بناء علاقات مع الصّين وتصالحت مع إيران وتركيا وسوريا، وانصرفت نحو بناء شرق أوسط تشكّل فيه قطباً تبعاً لقدراتها الاقتصادية ونفوذها المعنوي والمادّي والسياسي. هذا لا يعني أنّ السعودية ستضرب بعرض الحائط المصالح الأميركية الاستراتيجية أو الاستراتيجية الأمنية بين البلدين. هذه العلاقة بالذات ليست عرضة للمساومات بين الطرفين، ولا قلق أميركياً من تطوّر العلاقات الاقتصادية الخليجية مع الصين، طالما أنّ العلاقة الأمنية تبقى حصراً أميركية وكذلك يبقى تسليح الجيوش الخليجية وممرّات الملاحة الدّولية تحت مظلّة الأساطيل والقواعد الأميركية.
صحيح أنّ العالم يتغيّر، لكن الولايات المتحدة لا تزال تراهن على قدرتها على وقف أيّ مسار من شأنه أن يهدّد مكانتها العالمية. وهذا هو جوهر الصراع الدولي حالياً. ومع ذلك فإنّ الانعطافات التي تحصل في المسار العالمي ومن ضمنه التقدّم الصيني اللافت صوب الخليج والتطوّرات المتسارعة في الشرق الأوسط، ربما نبّهت صنّاع القرار في واشنطن إلى ضرورة إعادة النّظر في السياسات الأميركية في هذه المنطقة الحيوية من العالم بعدما فقد الحلفاء ثقتهم فيها، وبدت أنّها تنأى بنفسها بعيداً عنهم. ولعلّ الإدارة الحالية تحاول قبل فوات الأوان إصلاح ما تخرّب في علاقتها مع الخليجيين، لاسيما السعودية، انطلاقاً ليس فقط من تصحيح أخطاء الماضي، وإنّما من الاعتراف بأنّ الشراكة مع الرياض أساسية، وإلاّ فإنّ الخسارة ستصيب الجميع بمن فيهم واشنطن نفسها.