أمين قمورية
الاتفاق الإيراني السعودي الحدث الأبرز في الإقليم منذ سنوات، تكمن قوته في أنّه يمثل حاجة ملحّة لطرفيه، وأنّه تعبير عن رغبة عميقة لديهما بالخروج من حالة اللاسلم واللاحرب والافتراق والابتعاد الباهظ الثمن عليهما وعلى المحيط، إلى حال الاستقرار. وما يزيد من قوّته توقيع الصين كضامنة وراعية له، في تأكيد لتنامي دورها العالمي وتصميمها على تثبيت الاستقرار في هذا الموقع الاستراتيجي الحساس صوناً لمصالحها الاقتصادية الكبرى.
أثبت الاتفاق أنّ الجغرافيا في استطاعتها أن تَفعَل فعلها، وأن تكون أقوى من السياسة والايديولوجيا، وأنّ للجوار وللحدود دوراً كبيراً في السياسة، وذلك لن يتغيّر، لأنّ الطبيعة تبقى أقوى وأعمق من الإنسان بتأثيراتها اللامحدودة. فما يجمع بين ضفّتي الخليج ليس التشاطوء فقط، بل تاريخ طويل من العيش معاً، والمصالح المشتركة والموارد المتداخلة إذا ما أحسن الإفادة منها لغيّرت وجه الإقليم برمّته، ودفعته صعوداً نحو التقدم وحجز المكان الرفيع الذي تستحقّه شعوب هذه المنطقة بين أمم العالم.
لقد أدركت الأطراف الثلاث للاتفاق أهمية هذه المسألة الحسّاسة، كما أدركت أنّ التحوّلات العميقة التي تحصل في العالم والتّحديات المرتبطة بها، تتطلّب تجاوز الخلافات الظرفية والنّظر إلى المسائل الكبرى والاستراتيجية. ومن هنا أثمر مفهوم حُسن الجوار الصيني عن نتائج ملموسة في الخليج، كانت ترجمته العملية نموذجاً جيّدا لكيفية حلّ النزاعات والخلافات في دول المنطقة، وتحقيق علاقات حسن الجوار والصداقة من خلال الحوار والتشاور. وبالفعل فإنّ الحروب بين الجيران، مباشرة أو بالوكالة، لن تؤدّي إلى معادلات صفرية، بل إلى معادلة خاسر – خاسر، فيما خيار التسوية ينتج معادلة رابح – رابح.
لا إيران ستصبح حليفة السعودية ولا العكس صحيح، بيد أنّ التشاؤم الذي أظهره البعض إزاء الاتفاق قد لا يصحّ، كذلك فإنّ التفاؤل المفرط فيه قد يكون مبالغة، ذلك أنّ السياسة لا تحتمل الأبيض والأسود، والمطبّات التي قد تعترض الاتفاق قائمة وموجودة، وأبرزها إثنان: مستقبل الأنشطة النووية الإيرانية التي تعدّ من أبرز الملفّات الخلافية بين الجانبين، ردّ فعل المستائين من الاتفاق ولاسيما حكومة بنيامين نتنياهو الإسرائيلية المتطرفة والعنفية المصرّة على إبقاء إيران قيد الحصار، وبعض صقور الإدارة الديموقراطية في البيت الأبيض الذين ينتابهم القلق من نزعة استقلال القرار في "السعودية الجديدة".
لا شك في أنّ الطريق طويل وشاق قبل نضوج التسوية، لكنّه حتما أقصر من عمر الاشتباك الإقليمي. ومع ذلك فإن الصّورة الثلاثية في بكين ترسي سكة جديدة جوهرها هو قناعة طهران والرياض أن إدارة الخلافات بينهما تتم بالتفاوض السياسي المباشر، وأنهما انتقلا من مرحلة ردع التعديات والتهديدات إلى مرحلة الحوار والتدخل لصنع التوازنات العادلة في المنطقة، أو في أسوأ الاحوال الاتفاق على قواعد جديدة للاشتباك. هذا التغيير من شأنه أيضا أن ينقل ثقافة التسويات وإدارة المصالح إلى بقع أخرى في الشرق الأوسط وربما خارجه. ولا غرابة أن تظهر أوّل الثمار في توجه السفير السعودي إلى صنعاء للقاء قيادة الحوثيين للبحث في اجراءات إعادة الثقة، الأمر الذي كان مستحيلاً قبل أيام، وأن يبدأ إعداد العدة للتطبيع الإيراني المصري والإيراني الاردني والإيراني البحريني، وأنّ تتغير لغة الخطاب السياسي في عواصم عدة والتوقعات، فاللبنانيون يتساءلون عن امكان حدوث تفاهمات تسمح بالتعجيل في انتخاب رئيس جديد للجمهورية، والسوريون يتطلعون إلى تهدئة تفكّك حال الاستعصاء السياسي في بلادهم من أجل وقف الحرب التي ابتلعت الأخضر واليابس طوال 12 عاماَ، والعراقيون يودّون أن ينتج عنه استقرار الأوضاع الداخلية وتخفيف التناحر بين الطوائف والمناطق.
طبعاً، الاتفاق ليس اتفاق "سايكس بيكو" جديد تتقاسم بموجبه الرياض وطهران المنطقة. هذا البلد لنا وهذا البلد لك. لكنّه يساعد على إدارة الأزمات أو تنظيم الخلافات في الدول المأزومة بالصراعات وحيث التّماس مباشر أو غير مباشر بين العاصمتين.
مفتاح هذا التفاهم موجود في اليمن، فإذا نجح الطرفان في وقف حمّام الدّم هناك وإنهاء أسوأ أزمة إنسانية في العالم اليوم، فهذا سيعني وجودَ فرصة ثمينة لنسج نظام أمني إقليمي جديد، يُسهمُ في إنهاء أزمات الدول الأخرى. اليمن هو الساحة الأقرب لتبيان التحوّل في صفحة الخصومة والانتقال إلى طاولة الحوار والعمل المشترك.
وفي الموضوع اليمني، كانت ولا تزال المسافة شاسعة في رؤية البلدين لمقاربة الحلّ، فالرؤية الإيرانية تتحدث عن وقف النار، وبدء الحوار اليمني، وتشكيل حكومة وطنية شاملة، ولا تتحدث عن المرجعيات الأممية في الأزمة اليمنية، وهو ما أشارت إليه المبادرة السعودية "لإنهاء الأزمة اليمنية، والتوصّل لحلّ سياسيّ شامل"، والتي حدّدت مرجعيات قرار مجلس الأمن رقم 2216، والمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، ومخرجات الحوار الوطني الشامل. وربما كان المدخل الجامع هو التوصل لإنهاء العداء باتفاق ملزم أولاً. في اليمن اليوم أكثر من رئيس وأكثر من حكومة وأكثر من جيش وأكثر من مصرف مركزي. في جنوب اليمن حيث حكومة عدن المحسوبة على الرياض، أكثر من طرف مؤثّر ورؤية للمستقبل، هناك المجلس الانتقالي الجنوبي المحسوب على الإمارات، والجيش اليمني القديم وتجمع الإصلاح الإخواني، ولكلّ منه حساباته ومرجعيته، وفي شمال اليمن، أي حكومة صنعاء حيث السلطة للحوثي حليف طهران، وهنالك التنوع المذهبي وإفرازاته العصبوية وهناك الكارثة الإنسانية وارتداداتها المجتمعية والسياسية الخطيرة.
المفاوضات المباشرة بين صنعاء والرياض كانت قد قطعت بالفعل أشواطاً متقدّمة، ووصلت إلى حدود الحديث عن انسحاب القوّات الأجنبية من اليمن، حيث أبدى السعوديون إيجابية كبيرة واستعداداً للخروج "في دقائق"، لكنهم تبرّأُوا من المسؤولية عن بقيّة القوّات المنتشرة على الأراضي اليمنية، وهو ما كان يمثّل عقبة في طريق التوصّل إلى اتفاق. لكن الأطراف الموالية لـ"التحالف" في عدن (المجلس الرئاسي، والحكومة، والمجلس الانتقالي)، سارعت فور إعلان الاتفاق، إلى تغيير خطابها بما يلائم التوجّه السعودي الجديد. ذلك أن تلك الأطراف ستفقد بطبيعة الحال، جزءاً كبيراً من سرديّتها السياسية والإعلامية المستخدَمة كوقود للحرب منذ تسع سنين، والقائمة على التخويف من "اتهام إيران اليمن".
ولم يعد خافيًا على أحد أنّ بيت القصيد في “اتفاق بكين” هو إنهاء الحرب في اليمن، بكل تداعياتها الأمنية والعسكرية والإعلامية والمالية والإقتصادية، فالمملكة العربيّة السعوديّة لا يمكنها أن تبقي استثماراتها الضخمة التي تنفقها، في سياق “رؤية 2030” رهينة أجوائها المفتوحة للصواريخ والدرونز "الحوثيّة"، وميزانيتها مهدورة على المجهود العسكري، ودبلوماسيّتها مرهونة للمواجهة. والراعي الصيني بدوره يريد استقراراً في اليمن خشية أن تتسبّب أي حرب جديدة في إغلاق باب المندب الممرّ الحيوي لتجارتها العالمية، ومن هنا اهتمامها الكبير بالبحر الأحمر حيت أقامت اول قاعدة عسكرية بحرية لها في الخارج في جيبوتي. وتحقيقًا لهذه الأهداف، تتلاقى المصالح الصينيّة والأميركية والسعوديّة والخليجية، في ترجمة مندرجات اتفاق بكين إلى وقائع سياسيّة وعسكريّة وأمنيّة واستراتيجيّة واقتصاديّة.
وفي هذا السياق، فمن الحكمة أن تستغلّ سلطتَي الأمر الواقع اليمنيتين المتقاتلتين في كل من عدن وصنعاء هذه الفرصة التّاريخية، من أجل التواصل المباشر وبحث القضايا العالقة بينهما، لاسيما قضيّة الأسرى وإعادة الإعمار وتخفيف معاناة السكان، ومن ثم الانتقال إلى مرحلة حكم انتقالي قبل الاتفاق على حكومة وحدة وطنية تمثل الجميع، بدلاً من الانغماس في تبادل االتراشق الإعلامي غير المؤثر، وبذلك لا ترسم فقط مساراً جديداً لليمن يخفّف من معاناة اليمنيين ومحنتهم، بل ويؤسّس أيضا لمسار مختلف لأزمات المنطقة من شأنه تخفيف الاحتقانات.