اعتنق الرئيس دونالد ترامب مساراً غير تقليدي لإنهاء الحرب في أوكرانيا، وفاء لوعد قطعه في حملته الإنتخابية وعد بالتوسط في السلام "في غضون 24 ساعة". تأرجحت استراتيجية ترامب بين الدبلوماسية والإكراه ونية عقد صفقات، في ظل شكوك دولية في نجاح هذه المقاربة.
الجزرة والعصا والتنازل
في صميم مبادرة ترامب وقف إطلاق نار مؤقت لمدة 30 يوما ، وافقت عليه أوكرانيا الشهر الماضي بعد محادثات في جدة بالمملكة العربية السعودية. وتدعو الخطة الجانبين إلى وقف الهجمات على طول الخطوط الأمامية وفي البحر الأسود، وتسهيل التبادلات الإنسانية مثل تبادل الأسرى وإعادة الأطفال إلى أوطانهم، وبدء مفاوضات من أجل سلام دائم. ومع ذلك، لم تقبل روسيا الاقتراح رسميا بعد، إذ وضعت موسكو شروطاً تشمل إنهاء المساعدات العسكرية الغربية لأوكرانيا والاعتراف لها بالأراضي الأوكرانية التي احتلتها، وهي شروط غير مقبولة للغرب.
المبعوث الرئاسي الأميركي إلى أوكرانيا اللواء المتقاعد كيث كيلوغ طرح خططا تطالب أوكرانيا بالتنازل عن الأراضي التي احتلتها روسيا والتخلي عن الانتساب إلى الناتو. ودعا اقتراحه إلى تجميد الخطوط الأمامية الحالية فيما اقترح نائب الرئيس جي دي فانس منطقة منزوعة السلاح على طول خطوط المعركة الحالية بحجة أن أوكرانيا تفتقر إلى القوى اللازمة لاستعادة الأراضي المحتلة. وربط ترامب الدعم الأميركي بإعطاء الولايات المتحدة حقوق استخراج المعادن الحيوية في أوكرانيا
مؤخّرا، هدد ترامب بفرض رسوم جمركية بنسبة 25-50٪ على صادرات النفط الروسية إذا رفض بوتين وقف إطلاق النار، للضغط على موسكو عبر حلفائها الذين يستوردون منها الطاقة بسعر مخفَّض مثل الصين والهند. هذه الخطوة هي محاولة جريئة للاستفادة من الضغوط الاقتصادية لكنها تهدّد بزعزعة استقرار أسواق الطاقة العالمية.
تقدم محدود وتصاعد التوترات
تحت الضغط الأميركي وافق زيلينسكي على وقف إطلاق النار لمدة 30 يوما واستعاد تبادل المعلومات الاستخباراتية والمساعدات العسكرية بعد تعليق قصير. ومع ذلك لا تزال نوايا روسيا غير واضحة مع استمرار غارات المسيّرات على مدن مثل سومي وأوديسا على الرغم من تعهد بوتين بوقف الهجمات على البنية التحتية للطاقة. استغل الكرملين حرص ترامب على التوصل إلى اتفاق، وربط وافقته بشروط "غير واقعية" فيما يواصل هجومه مستفيداً من دعم إيران وكوريا الشمالية والصين.
تظهر استطلاعات الرأي أن 55٪ من الأميركيين لا يوافقون على أسلوب تعامل ترامب مع الحرب، متوجّسين من تحالفه مع بوتين ومن سياسات المساعدات "غير المنتظمة". وقد أثار وقف المساعدات العسكرية لكييف انتقادات من الحزبين وكشف التحديات السياسية التي يواجهها ترامب في الداخل.
التحديات المقبلة
يشكك المراقبون الدوليون في استعداد بوتين لتقديم تنازلات مع التفوّق الميداني لروسيا. وتؤشر مطالبه التوسعية إلى تكتيكات المماطلة لتعزيز المكاسب. قد يختبر تهديد ترامب بفرض رسوم جمركية على صادرات النفط الروسية هذه الحسابات لكن العقوبات الثانوية تواجه عقبات لوجستية نظرا للقيود الغربية الحالية.
على الرغم من نقص العديد والذخيرة تحتفظ أوكرانيا بدعم الحلفاء الغربيين. ومع ذلك، يحاول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر جمع أطر بديلة لحفظ السلام في أوكرانيا، لكنّ التأثير على موسكو يظل محدودا بدون دعم أميركي.
إذا فشلت الدبلوماسية يواجه ترامب معضلة. إما مضاعفة الضغط على أوكرانيا والمخاطرة بمزيد من تآكل مصداقية الولايات المتحدة، أو التحول إلى تسليح كييف بقوة، وهو ما يناقض مبدأ "أميركا أولا". ولا شك في أن تسليح أوكرانيا سيوتّر العلاقات مع بوتين الذي وجّه له ترامب مؤخرا انتقادا لاذعا.
الآثار الأوسع نطاقا
أثار إصرار ترامب على تهميش الناتو والضغط على أوكرانيا للتخلي عن تطلعات العضوية مناقشات وجودية داخل الحلف. وتحذّر دول أوروبا الشرقية مثل بولندا ودول البلطيق من أن الخضوع للمطالب الروسية سيشجّع بوتين على اختبار التزامات حلف شمال الأطلسي بموجب المادة الخامسة (الاعتداء على عضو في الناتو هو اعتداء على جميع الأعضاء) في أماكن أخرى.
من التأثيرات أيضاً أن الرسوم المقترحة على النفط الروسي قد تزعزع استقرار أسواق الطاقة. وقد تعهدت الصين والهند بتحدي "الإكراه الأميركي غير القانوني" بينما حذرت المملكة العربية السعودية من تخفيضات انتقامية في الإنتاج.
روسيا نقلت رؤوسا حربية بالقرب من حدود أوكرانيا
وتكشف تقارير الاستخبارات الأميركية أن الصين تزوّد موسكو بتكنولوجيا ذات استخدام مزدوج وتؤمّن في الوقت نفسه عقود إيجار طويلة الأجل للأراضي الزراعية الأوكرانية ومناجم الليثيوم. وثمّة مخاوف من تنافس خطِر على المعادن الحيوية في أوكرانيا قد يهمّش سيادتها.
وأثارت الحرب صراعا في الظل في الفضاء السيبراني إذ استهدف قراصنة روس أنظمة الانتخابات وبنية تحتية حيوية أميركية بينما عطّلت جيوش تكنولوجيا المعلومات الأوكرانية الخدمات اللوجستية الروسية. يتجاهل تركيز ترامب على الدبلوماسية التقليدية هذا الصراع، تاركا ثغرات في الردع. ويمكن أن يؤدي هجوم سيراني كبير على شبكات الكهرباء أو الأنظمة المالية الأميركية إلى رد عسكري قد يشعل صراعا مباشرا بين الناتو وروسيا.
كما أن مقترحات ترامب لا تتناول تهديدات بوتين المتكررة بنشر أسلحة نووية تكتيكية في بيلاروسيا. وقد أفاد البنتاغون بأن روسيا نقلت رؤوسا حربية بالقرب من حدود أوكرانيا. في هذا الوقت لم تؤكّد واشنطن على سياساتها عدم اللجوء إلى الضربة الأولى. وهذا الغموض يزيد من مخاطر سوء التقدير.
الآن، كما يقول زيلينسكي، "يجب أن تكون الدبلوماسية مع موسكو مدعومة بالقوة النارية". استجابة ترامب لهذه النصيحة من عدمها قد تحدد مسار الحرب ومصيره السياسي.