في خطوة استثنائية تعكس حجم الأزمة التي يمر بها لبنان، أعلنت وزيرة التربية والتعليم العالي، ريما كرامي، عن قرار إلغاء امتحانات شهادة البريفيه (الشهادة المتوسطة) لهذا العام. القرار، الذي أتى نتيجة للأوضاع الاقتصادية المتدهورة والتحديات الأمنية التي تعصف بالبلاد، أثار جدلاً واسعًا بين التربويين، الأهالي، والطلاب، بين من يراه ضرورة تفرضها الظروف، ومن يعتبره بداية لتغييرات أعمق في النظام التعليمي اللبناني.

قرار فرضته الأوضاع الصعبة

يعاني النظام التعليمي اللبناني من أزمات متراكمة، أبرزها الهجرة الجماعية للمعلمين بسبب تدني الرواتب، وعدم قدرة المدارس الرسمية والخاصة على تلبية احتياجات الطلاب في ظل انقطاع الكهرباء وصعوبة الوصول إلى الموارد الأساسية. يُضاف إلى ذلك الأزمة الاقتصادية الخانقة التي جعلت التعليم نفسه ترفًا لكثير من الأسر. في هذا السياق، يصبح إلغاء البريفيه إجراءً عمليًا أكثر من كونه قرارًا تربويًا.

هل شهادة البريفيه لا تزال ضرورية؟

لطالما شكّلت البريفيه مرحلة تقييمية أساسية في المسار التعليمي اللبناني، لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل ما زالت هذه الشهادة ضرورية في ظل تغيّر النظم التعليمية عالميًا؟ العديد من الدول مثل فنلندا والسويد تخلّت عن الامتحانات الرسمية في مراحل التعليم الأساسي، وركّزت بدلًا من ذلك على التقييم المستمر لتنمية مهارات الطلاب بدلاً من الحكم عليهم بناءً على امتحان واحد.

في دول عربية مثل الإمارات وقطر، أصبحت نظم التقييم أكثر مرونة، وتعتمد على أداء الطالب طوال العام بدلاً من الامتحانات النهائية فقط. فهل يمكن للبنان أن يحذو حذو هذه الدول، ويعيد النظر في أهمية البريفيه كنقطة فاصلة في مسيرة الطالب؟

سابقة تاريخية: إلغاء البريفيه في أزمات سابقة

لم يكن هذا القرار الأول من نوعه، فقد شهد لبنان إلغاء امتحانات البريفيه سابقًا في ظل أوضاع استثنائية. ففي عهد وزير التربية إلياس بوصعب عام 2014، أُلغيت الامتحانات الرسمية بسبب الإضرابات وتداعيات الأوضاع السياسية، وتم اعتماد معدلات الطلاب المدرسية كبديل.

وفي مراحل الحرب الأهلية اللبنانية، تعطّلت الامتحانات أكثر من مرة، مما اضطر الدولة إلى إيجاد حلول بديلة لضمان استمرار العملية التعليمية. واليوم، يعود الجدل نفسه، لكن في ظل أزمة متعددة الأبعاد تمس كل جوانب الحياة في لبنان.

رأي خبير تربوي: هل يمكن الاستغناء عن البريفيه؟

يقول الخبير التربوي الدكتور سمير حداد، في حديثه لـ"الصفا نيوز" إنّ "إلغاء الامتحانات ليس بالضرورة أمرًا سلبيًا، لكنه يكشف عن مشكلة أعمق تتعلق بجودة التعليم في لبنان. البريفيه كانت على مدى العقود الماضية وسيلة لضبط المعايير الأكاديمية، لكنها لم تعد تعكس فعليًا قدرات الطلاب بقدر ما كانت مجرد مرحلة عبور. الحل الأمثل هو تطوير نظام تقييم متكامل يعتمد على التقييم التراكمي، المشاريع، والمهارات، وليس فقط على الامتحانات التقليدية."

ما التالي؟

بعد هذا القرار، يبرز تساؤل هام: هل ستتجه وزارة التربية نحو إصلاح شامل لمنظومة الامتحانات، أم أن إلغاء البريفيه هذا العام سيكون مجرد حل مؤقت؟ وهل يمكن أن يكون هذا القرار فرصة لإعادة النظر في شكل النظام التعليمي برمّته، لمواكبة التطورات العالمية؟

يبقى الواقع أن الأزمة اللبنانية تفرض تغييرات قد تكون قسرية في البداية، لكنها قد تفتح الباب أمام إعادة هيكلة قطاع التعليم نحو نموذج أكثر استدامة وإنصافًا للطلاب والمعلمين على حد سواء.

 مدرسة تضررت جراء الحرب بين إسرائيل وحزب الله، في بلدة الناقورة الساحلية الجنوبية،