في الحسابات الأميركية، إنّ الهند يمكنها أن تقوم بوظيفتين، الابتعاد عن روسيا قدر الإمكان تجارياً وسياسياً، والوقوف إلى جانب أميركا بهمّة أكبر في مواجهة تمدّد العملاق الصيني.
تعتقد واشنطن أنّ معاملة الهند كشريك أساسي وضروري، سيساعدها في سياق تنافسها الجيوسياسي مع الصين وروسيا. وبدءًا من ولاية جورج دبليو بوش عزّز الرؤساء الأميركيون المتعاقبون القدرات التكنولوجية والعسكرية لنيودلهي، مفترضين أنّ ذلك سيساهم تلقائياً في تعزيز المحور المناوئ لبكين وموسكو في القارّة الآسيوية. وتبنّت إدارة الرئيس جو بايدن بحماسة هذا التوجّه. لا بل عمدت إلى إطلاق مبادرة جديدة طموحة لتسهيل حصول الهند على تكنولوجيات أميركية بالغة التطوّر، وتعميق التعاون الدفاعي بين البلدين، وجعل تحالف "كواد" الرباعي، الذي يضم إلى الهند كلّاً من استراليا واليابان والولايات المتحدة ركيزة لاستراتيجيتها في الشرق الأقصى والباسيفيك والمحيط الهندي.
تغاضت واشنطن عمّا تعتبره انتهاكات هندية للديموقراطية والأقليات الدينية ورفض نيودلهي إدانة الغزو الروسي لأوكرانيا. وبلغ الأمر ذروته عندما استقبل الرئيس الأميركي بحفاوة بالغة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي الأسبوع الماضي في البيت الأبيض. ورأى أنّ الوسيلة الأفضل لاستمالة نيودلهي وجعلها تبتعد عن موسكو وبكين هي في إظهار "السخاء" الأميركي، فكان التوقيع على اتفاق لنقل تكنولوجيا المحرّكات، في وقت تبدأ الهند إنتاج مقاتلات على أرضها. وستحصل "جنرال إلكتريك" على الضوء الأخضر لإنتاج محرّكاتها من طراز "إف 414" بشكل مشترك مع شركة "هندوستان إيرونوتيكس" للصناعات الجوية والتابعة للدولة الهندية. وستشتري الهند أيضاً مسيّرات مسلّحة عالية الدقّة من طراز "إم كيو-9 بي سي غارديانز".
ونجحت الشركات الأميركية، في هذا المجال، نجاحاً ملحوظاً في دخول سوق التجهيزات الدفاعية الهندية. وبعد أن كانت أعتدة الجيش الهندي، قبل نحو عقدين، خالية تقريباً من الأسلحة الأميركية، تحتوي ترسانته اليوم على طائرات أميركية للنقل الجوي والعمليات البحرية، إلى طوافات للخدمات المدنية والمهمات القتالية، وصواريخ مضادة للسفن وقطع مدفعية. وتجاوز حجم التجارة الدفاعية بين الهند والولايات المتحدة، 20 مليار دولار عام 2020. كان واضحاً أنّ الأولوية للرئيس الأميركي ولرئيس وزراء الهند، ارتكزت على تمتين العلاقات الاقتصادية والأمنية والعسكرية، لتدعيم العلاقة الاستراتيجية بين الهند والولايات المتحدة بحدّ ذاتها. واشنطن تعي أنّ الهند، من الناحية الاقتصادية والتكنولوجية، تتحوّل إلى صينٍ جديدة، وأنّ نفوذها لا يستهان به. كلاهما، قرّرا أنّ الوقت حان لتأمين العلاقة الأميركية- الهندية، وللتحرّك في إطار التعاون العسكري والأمني، إنّما من دون ممارسة الضغوط لتغيير المواقف التي لا يتّفق عليها الطرفان.
في الحسابات الأميركية، إنّ الهند يمكنها أن تقوم بوظيفتين، الابتعاد عن روسيا قدر الإمكان تجارياً وسياسياً، والوقوف إلى جانب أميركا بهمّة أكبر في مواجهة تمدّد العملاق الصيني.
ولكنّ توقّعات واشنطن الراهنة من الهند في غير محلّها. جذور العلاقات التاريخية بين الهند وروسيا، راسخة حتى بعد اندلاع الصراع الأوكراني. فقد رفضت نيودلهي، الانضمام إلى نظام العقوبات الغربية على روسيا. لا بل حصل العكس، فالتبادلات التجارية بين روسيا والهند تضاعفت منذ اندلاع الحرب. نيودلهي زادت مشترياتها من النفط الروسي بأسعار مخفّضة، ومن ثم تبيعه إلى الأسواق الأوروبية التي حظّرت استيراد الطاقة من روسيا. ها هي أوروبا اليوم تحصل على الطاقة الروسية، من طريق الهند، لكن بأسعار مرتفعة. ولطالما دعا مودي إلى وقف الحرب وسلوك طريق الحوار لإيجاد تسوية سلمية للنزاع الأوكراني. وهذا ما كرّره عندما كان يقف إلى جانب بايدن في البيت الأبيض الخميس الماضي في حين كان الرئيس الأميركي يريد من ضيفه موقفاً يندّد بالغزو الروسي ويخفّض العلاقات مع روسيا، كي يحرم الكرملين من مورد رئيسي لتمويل آلة الحرب في أوكرانيا. لولا الصين والهند ودول الخليج، لاتخذت العقوبات الاقتصادية التي فرضها الغرب على موسكو منحىً أكثر إيلاماً بالنسبة للروس.
على رغم أنّ الصين هي، الخصم الأكثر تهديداً للهند، لا تزال نيودلهي تتجنب القيام بما قد يؤدّي إلى قطيعة عميقة مع بكين
وعلى رغم أنّ الصين هي، الخصم الأكثر تهديداً للهند، لا تزال نيودلهي تتجنب القيام بما قد يؤدّي إلى قطيعة عميقة مع بكين. ويعي صناع السياسة الهنود، التفاوت الصارخ في القوّة بين الصين والهند، وهو تفاوت لن يضيق في مستقبل قريب. والضعف النسبي هذا الذي تعانيه نيودلهي يحملها على تفادي استفزاز بكين. وهو ما قد يفجّره الانضمام إلى تكتل أو حلف تقوده الولايات المتحدة. وليس في مقدور الهند إغفال جوارها بالصين، فالبلدان يتشاركان حدوداً طويلة، ممّا يمكّن الصين من تهديد الأمن القومي الهندي جدياً. وهذا ما يرتّب على نيودلهي ألّا تقحم نفسها في أية مواجهة أميركية - صينية لا ينجم عنها تهديد مباشر لأمنها القومي. فالهند تثمّن التعاون مع واشنطن بسبب الفوائد الملموسة الناتجة منه، لكنها لا ترى أنّ عليها، لقاء ذلك، الانخراط مع الولايات المتحدة في أيّة أزمة تقع بين القوّتين - حتى لو كان مصدر الأزمة الصين، وتهديدها الهند والولايات المتحدة معاً.
لذا، تبقى الشراكة الأمنية بين الهند والولايات المتحدة متأرجحة صعوداً وهبوطاً في السنوات المقبلة. وبينما ترغب نيودلهي في دعم أميركي يعزّز قدراتها الدفاعية ازاء الصين، تميل، في الوقت نفسه، إلى النّأي عن مواجهة أميركية - صينية ليست مصالحها الخاصة عنصراً مباشراً ومهدداً فيها. وإذا اندلع نزاع كبير بين واشنطن وبكين، في شرق آسيا أو في بحر الصين الجنوبي، لا شكّ في أنّ الهند تودّ انتصار الولايات المتحدة فيه، ولكن من غير المرجح أن تتورط في النزاع.
كذلك لدى الهند الكثير من الهواجس، في ما يتعلّق بالعلاقات بين الولايات المتحدة وباكستان. فهي لا تزال ساخطة على واشنطن لبيعها مقاتلات "إف-16" لجارتها اللدود. وإذا كان بإمكان مودي الهندوسي القومي المتشدّد التغاضي عن الانتقادات الأميركية المتصاعدة حيال تعامل الحكومة الهندية مع الأقلّيات الدينية لديها، فإنّ بيع السلاح الأميركي لباكستان هو أحد أهم عناصر القلق لديه. والمشكلة أنّ أميركا مضطرة إلى الحفاظ على علاقتها الوطيدة مع إسلام آباد كي لا تقع باكستان برّمتها تحت النفوذ الصيني.
وعلى الولايات المتحدة، من دون شك، مساعدة الهند إلى حدّ يتوافق مع المصالح الأميركية. ولكن عليها ألّا تتوهم أنّ دعمها هذا، بالغاً ما بلغ من السخاء، سيغري الهند بالانضمام إلى حلف عسكري ضدّ الصين. فالعلاقة بالهند تختلف جذرياً عن علاقة الولايات المتحدة بحلفائها الآخرين. وعلى إدارة بايدن أن تلحظ هذا الواقع بدلاً من محاولة تغييره.