تركيا على موعد مع انتخابات رئاسية حاسمة، قد تحسم نتائجها هذا الأسبوع، وقد تُؤجّل إلى الدورة الثانية بعد أسبوعين. هذا الاستحقاق ليس مجرد اختيار بين مرشحين أو بين حزبين أو بين توجهين سياسيين أو اقتصاديين. إنّها مواجهة بين عالمين مختلفين ونهجين مختلفين من شانهما أن يحدّدا مسار تركيا وخياراتها ومستقبلها لسنوات طويلة.
تركيا ليست فقط عبارة عن مساحة من الأرض يسكنها 85 مليون إنسان. إنّها موقع استراتيجي في قلب العالم، يقف في منتصف الطريق بين العوالم الأوروبية والروسية والعربية والإيرانية، وتبلغ امتداداته الثقافية والاقتصادية العالم الصيني. هي على تماس مباشر مع أعقد الصراعات الدائرة حالياً، الحرب في أوكرانيا، توسيع حلف شمال الأطلسي لإكمال الطوق الغربي على روسيا، الأزمة السورية، مستقبل الأكراد، الصراع الإيراني الغربي، الصراع العربي الإسرائيلي، الصراع على القوقاز وآسيا الوسطى، الصراع على ليبيا، غاز شرق البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود، ممرّات الطاقة والمضائق الدولية، وطبعاً التموضع والانتشار الصيني الاستراتيجي الجديد.
منذ الانقلاب العسكري الفاشل في تركيا عام 2016، والودّ يتراجع بين أردوغان والولايات المتحدة الأميركية، بعدما رفضت واشنطن تسليم أنقرة فتح الله غولان المتّهم بتدبير الانقلاب، وارتفعت حدّته مع إصرار تركيا على شراء منظومة الدفاع الجوي الروسية اس 400، وبلغ حدّه الأقصى مع تمادي الأميركيين في توفير الدعم لقوات سوريا الديموقراطية "قسد" غرب نهر الفرات، الأمر الذي اعتبرته تركيا تشجيعاً على إقامة كيان كردي على حدودها الجنوبية الشرقية. وجاءت المواجهة الغربية مع روسيا لتزيد الطين بلّة لاسيما بعد رفض تركيا انضمام السويد إلى حلف شمال الأطلسي "الناتو" وإصرارها على الحفاظ على أفضل العلاقات مع موسكو.
يتحدث الرئيس السابق لتحرير صحيفة "يني شفق" الإسلامية إبراهيم قره غول عن خطّة أُعدّت لتركيا بعد إعلان نتيجة الانتخابات في حال فوز المعارضة سيكون بين أهدافها إقحام أنقرة في مواجهة عسكرية مع روسيا في منطقة البحر الأسود، وتسليم المناطق الحدودية الجنوبية لعناصر حزب "العمال الكردستاني" بإشراف أميركي، وإنهاء تكتّل منظمة الدول التركية الذي يشمل دول عدة في آسيا الوسطى، وإشعال جبهات القوقاز من خلال تشجيع هجوم إيراني أرميني على أذربيجان، وسحب القوات التركية من سوريا وليبيا.
انفتاح أردوغان على الشرق وحفاظه على علاقات وثيقة مع الصين وروسيا وإيران واحتمال ضمّ بلاده إلى منظمة اقتصادية صاعدة مثل "شنغهاي"
قد يكون هناك مبالغة في تقديرات قرة غول والمخاوف، لكن من الواضح أنّ الغرب عموماً والرئيس جو بايدن الذي وصف نظيره التركي بأنّه "مستبد"، لا يرغبان بالتجديد لأردوغان ويبذلان جهوداً لإبداله، على عكس رغبة موسكو وبكين وطهران اللواتي نجحن في إيجاد قواسم مشتركة وقواعد تفاهم مع تركيا أردوغان بعدما نقل أنقرة من الحضن الأميركي، وراح يتجه شرقاً منذ عام 2014 باتباعه سياسة خارجية أكثر استقلالية. ومع افتقار المعارضة التركية لبرنامج انتخابي مقنع للأتراك، تحرّكت كبرى الصحف الغربية مثل ”الواشنطن بوست” و”إكسبرس” و”دير شبيغل” للتأثير على الشارع التركي بدعوى أنّ أردوغان ديكتاتور ويجب أن يرحل.
وبلغ الأمر بمجلة “إيكونوميست” البريطانية المرموقة، إلى التخلّي عن مهنيتها ووقارها المعتاد ووضعت عنوانا رئيسياً لاحد أغلفتها، جاء فيه: "أردوغان لا بدّ أن يرحل احموا الديمقراطية".
كذلك فعلت "دير شبيغل" التي كتبت أنّه إذا أعيد انتخاب أردوغان، ستتحوّل البلاد إلى ديكتاتورية، ولن يكون هناك سلام داخلي ولا انتخابات أخرى.
وفي مقابل، انفتاح أردوغان على الشرق وحفاظه على علاقات وثيقة مع الصين وروسيا وإيران، واحتمال ضمّ بلاده إلى منظمة اقتصادية صاعدة مثل "شنغهاي" ومجموعة دول "بريكس" اللتين تذكّران واشنطن بانطلاق عجلة التعدّدية القطبية وتراجع نظام الأحادية الأميركية، فإنّ المعارضة التركية تركّز على التوجّه نحو الناتو والولايات المتحدة والاندماج في الاتحاد الأوروبي، وقد تلجأ في حال فوزها إلى إزالة الفيتو التّركي على ضمّ السويد إلى الناتو، وإلى اعتماد سياسة تركية جديدة في سوريا تأخذ في الاعتبار ما تريده واشنطن في موضوع (قسد) والنظام في دمشق، وتقليص الاندفاع التّركي نحو روسيا وإيران، ومراجعة السياسات في القوقاز والبحر الأسود وشرق المتوسط وملفّات التوتّر مع قبرص واليونان.
لكن أيّاً كان الحاكم في أنقرة فإنّ ثمّة ثوابت وعوامل لا يمكن التّلاعب بها أو الانقلاب عليها بسهولة، ذلك أنّ تعزيز أردوغان لعلاقاته مع بعض الدول، لم يكن نابعاً عن خيار فردي بل كان نابعاً في معظم الأحيان عن ضرورات، فروسيا ليست مجرد جارة شمالية كبيرة لتركيا بل هي دولة قوية وتربطها بأنقرة علاقات اقتصادية وتجارية قوية، وصارت بفعل عودتها إلى شبه جزيرة القرم وموانئ البحر الأسود، وبحكم وجودها العسكري في سوريا جنوبا، عنصراً حيوياً للأمن القومي التركي لا يمكن الاستهانة به، وتالياً لا مناص من التعاطي الإيجابي معه. كذلك الأمر مع جارتها الأخرى إيران الموجودة على تماس معها في سوريا والعراق وأذربيجان. وإصلاح أردوغان لعلاقاته التي كانت متوترة مع كلّ من الإمارات والسعودية ومصر وإسرائيل، كان محرّكه أزمته الاقتصادية، والانفتاح على سوريا صار همّاً يوحّد كل القوى السياسية التركية، بعدما صارت قضية النازحين وسلاح الكيان الكردي صداعاً عاماً للجميع. ومن المنطقي أيضا أنّ التنافس القوي الجاري بين الدول الكبرى شجّع أنقرة على رسم سياسة خارجية مستقلّة عن الكتلة الغربية. ومع ذلك، على الأرجح، أنّ المعارضة في حال فوزها ستعطي الأولوية للحوار، ونهج عدم التدخّل الأمر الذي يدفعها إلى الاضطلاع بأدوار الوساطة في أماكن مثل ليبيا أو السودان.
الانتخابات الأصعب على الاطلاق... تركيا لا يمكنها أن تغيب عن التطورات المتسارعة في الإقليم
أمّا العامل الكردي الداخلي فهو مهمّ جداً في تشكيل العلاقات الدولية لتركيا. وفي حال فوز المعارضة بالسلطة بدعم من الحركة الكردية، يعني أنّ التحسّن المحتمل في العلاقات مع أكراد تركيا، قد يدفع بالمعارضة في حال فوزها إلى معالجة القضية الكردية المحلّية، ما سيؤثر في سياسات تركيا الإقليمية والدولية.
إنّها الانتخابات التركية الأصعب على الاطلاق. تركيا لا يمكن لها أن تغيب عن التطورات المتسارعة في الإقليم، لأنّ أي خطأ أو تساهل من شأنه أن يكون على حسابها. لكنّ المشكلة هي أنّ معظم هذه الملفّات تُقلق واشنطن لأنّها تتعارض مع مصالحها ونفوذها في أكثر من مكان.