تكّثر التكهنات أثناء تحضير الموازنات في لبنان حول كيفية وضع الأرقام. إحدى أغرب النظريات التي سمعتها من مسؤول سابق في "المالية" هي أنه من بعد تقدير النفقات، يبدأ البحث عن كيفية جمع الإيرادات للوصول إلى التوازن. فتُضاف الأرقام "خبط عشواء" على بنود الرسوم والضرائب. القطاع الذي تصيبه "تقتله"، والذي ينجو "يقع همّه بركابه" عما قد ينتظره في الموازنات اللاحقة. وعلى هذا المنوال تحول "الصك التشريعي" الأهم في الجمهورية، أقلّه خلال سنوات ما بعد الإنهيار، إلى مهمة محاسبية، بدلاً من أن يكون جزءاً حيوياً من التخطيط والإدارة المالية لضمان النمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية.

قطاع العصائر والمشروبات الروحية والغازية كان من تلك القطاعات التي أصابتها "سهام" الضرائب العشوائية في موازنة 2025. نظرَ معدّو الموازنة إلى لوحة الاقتصاد المنكمش، المضاءة معظم خاناتها باللون الأحمر، فلمع من خانة الصناعات الغذائية، اللون الأخضر، فأمطروه، حرفياً، بالضرائب والرسوم.

الرسوم على المشروبات ترتفع 16 ضعفا

نصت موازنة 2025 على رفع الرسوم على المشروبات الروحية و"السبيرتو" الأبيض النقي الذي يدخل في الصناعات الطبية ومستلزمات التعقيم بين 5 و16 ضعفا. وأضافت مبلغ 2500 ليرة على كل لتر من العصائر التي تدخلها مادة السكر سواء كانت غازية أو غير غازية. وعليه ارتفع الرسم على العرق البلدي من 11500 ليرة على اللتر الواحد إلى 60 ألف ليرة. وعلى "الويسكي" و"الجين" و"الفودكا"، الصناعة المحلية، ارتفع الرسم حوالي 16 ضعفاً، من 18 ألف ليرة على الليتر الواحد المنتج إلى 300 ألف ليرة. وهو ما يثبت أن "من وضع الأرقام لم يدرس الأثر الاقتصادي للقطاعات المنتجة في لبنان"، يقول رئيس نقابة أصحاب الصناعات الغذائية اللبنانية رامز بو نادر. أو أنه تصرف بخبث، على أساس أن صناعة المشروبات الروحية لن تلاقِ من يدافع عنها، بل العكس قد تؤيد شريحة واسعة من اللبنانيين مثل هذه الرسوم للحد من الاستهلاك. وذلك خلافاً للخبز التي قد تشعل إضافة 1000 ليرة على الربطة ثورة شعبية واحتجاجات، كونها تمس بلقمة خبز الفقير. إلا انه من الناحية الاقتصادية فان صناعة المشروبات تدخل من ضمن الصناعات الغذائية وتعتبر من الصناعات الواعدة جداً، والاكثرها تأمينا للوظائف والعملة الصعبة. فلبنان ينتج اليوم 12 مليون زجاجة نبيذ سنوياً، يسوق القسم الأكبر منها في الخارج. وهناك طموح بان ينمو إنتاج النبيذ، بحسب تصريح صحفي لمدير عام وزارة الزراعة لويس لحود إلى 50 مليون زجاجة سنوياً. ويوجد 60 معمل نبيذ مدرجة في لوائح "معهد الكرمة والنبيذ"، الذي أصبح الانتساب إليه إلزامياً. ويوجد أكثر من ضعف هذا العدد في صناعة العرق والويسكي وبقية المنتجات. وتشغّل هذه المعامل حوالي 5000 عامل لبناني. وتستهلك القسم الاكبر من انتاج العنب والحبوب والبقوليات. وبالتالي تسهم بتطوير الزراعة وتشغيل اليد العاملة الزراعية، والمحافظة على صمود أبناء الأرياف في مناطقهم.

تخفيض الرسوم إلى الضعف

موجة الاعتراض الكبيرة التي خلقتها الرسوم الجديدة على المشروبات، والتي قادتها نقابة الصناعات الغذائية، دفعت الحكومة إلى التراجع عنها. فجرى إقرار مشروع قانون لتخفيضها إلى الضعف فقط، وإزالة رسم 2500 ليرة عن ليتر العصائر والمشروبات الغازية، وإبقاء الرسوم على "السبيرتو" الأبيض النقي كما كان عليه. وعلى الرغم من أهمية هذه التخفيضات، المنتظر أن يتم إقرارها، "إلا أنها تبقى غير كافية"، بحسب بو نادر. "خصوصاً أنه لم تتم معاملة المشروبات المستوردة بالطريقة نفسها". إذ بقي الرسم على الويسكي المستوردة 68 ألف ليرة، فيما جرت مضاعفته 16 مرة على المنتجة محليا. وحتى من بعض تخفيض الرسوم على المنتجات المحلية إلى الضعف فقط، أي 36 ألف ليرة، فإن الأثر الاقتصادي لهذا الرسم سيبقى أكبر بكثير من الرسوم التي تفرض على المستورد. ذلك أن "الدول الأجنبية تدعم الترويج لمنتجاتها في الأسواق الخارجية"، يضيف بو نادر، "فيصبح هذا الرسم كأنه قروش". ومن المفروض على الدولة رفع الرسوم على المنتجات المستوردة بنفس نسبة زيادتها على المنتجات المحلية"، برأي بو نادر، "للمحافظة على القدرة التنافسية للمشروبات في الأسواق اللبنانية". فإذا كانت الولايات المتحدة الاميركية بوصفها أكبر قوة اقتصادية عالمية، والدولة المؤسسة لمنظمة التجارة العالمية، تلجأ إلى حماية اقتصادها من خلال رفع الرسوم الجمركية، فهل يعقل أن يعفي لبنان المستوردات من الرسوم، ويزيدها أَضعافا مضاعفة على المنتجات المنتجة محليا؟ يسأل بو نادر، ليجيب أن من يدرس ويُقر الموازنات تتحكم به العقلية المحاسبتية، ويتم وضع الارقام بشكل اعتباطي من دون دراسة الأثر الاقتصادي.

صحيح أن الحكومة الحالية أقرت موازنة 2025، بهدف المحافظة على الانتظام المالي، لكنها لم تكن هي من وضعت أرقامها. ومن المنتظر أن تأتي موازنة 2026 مغايرة، بحسب ما وعد به وزير المال الجديد ياسين جابر. إذ أكد بأكثر من تصريح على انه "يتطلع إلى مشروع موازنة ترصد الاستراتيجيات الإنمائية، وأهدافاً إصلاحية كانت رفعتها الحكومة عنواناً لها. مؤكدا أن مشروع الموازنة الذي يجري إعداده يأخذ في الحسبان إجراءات من شأنها أن تسهم في سلوك المسار الصحيح بالنسبة للانتظام المالي ويفسح المجال أمام الموازنات اللاحقة في زيادة الإنفاق في المجالات الاجتماعية".

إلى حين تحول الأقوال إلى أفعال، فان موازنة 2025 تبقى أفضل وصفة لـ “قتل الاقتصاد". فالموازنة لم تتجاوز القاعدة الاقتصادية البديهية التي تحذر من فرض الضرائب في مرحلة الانكماش فحسب، بل زادت الرسوم والضرائب على المنتجات المحلية عشرات المرات. وهو ما شأنه زيادة حدة الانكماش، والحد من قدرة المنتجات على المنافسة في الأسواق الداخلية والخارجية، وإقفال المعامل وتسريح آلاف الموظفين.