في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية أزمة متجدّدة تهدّد بالتحوّل إلى حرب قد تغيّر مستقبل أفريقيا وتعطّل السباق العالمي للسيطرة على المعادن الحيوية التي تحرّك اقتصاد القرن الحادي والعشرين.
هذه الدولة بحجم أوروبا الغربية، والأزمة بدأت في 2012 مع تمرّد جنود من الجيش من عِرق التوتسي المنتشرين في شرق الكونغو وإنشائهم ميليشيا م 23 التي طالبت في الماضي بتطبيق اتفاق 2009 الخاص بإعادة دمج المتمردين في الجيش. مسرح هذه الأزمة وهدفها المناطق الغنية بالموارد في المقاطعتين الشرقيتين شمال كيفو وجنوب كيفو، حيث استولت ميليشيا "م 23" من عرق التوتسي التي أنشئت عام 2012 على مدن ومحطات تعدين استراتيجية بسرعة غير مسبوقة.
التطورات الرئيسية الأخيرة
في بداية هذا الشهر استولت "م 23" على غوما، عاصمة مقاطعة شمال كيفو وبوكافو، عاصمة مقاطعة جنوب كيفو، وكلاهما شريان اقتصادي. ثم سيطرت م 23 على روبايا، وهي مدينة تعدين للكولتان توّفر 50٪ من إنتاج الكونغو من هذا المعدن الأساسي للهواتف الذكية والصواريخ. بصريح العبارة، سطت الميليشيا على الموارد.
وتؤكد تقارير الأمم المتحدة أن رواندا المجاورة التي يشكل عرق التوتسي سواد سكانها الأعظم، ساندت الميليشيا بالدعم المدفعي. في المقابل تنشر أوغندا قوات في الكونغو بموجب اتفاق ثنائيّ معها. ويهدد تطوّر الوضع العسكري بتكرار حروب الكونغو بين عامي 1996 و2003، والتي ورّطت تسع دول في "الحرب الكبرى" الأفريقية، مع خطر تكرار حلقة التآمر الإقليمي.
تأثير الدومينو الإقليمي
رئيس رواندا بول كاغامي ينفي تورط بلاده رغم الأدلة. فرواندا تريد جزءا من ثروة الكونغو التعدينية البالغة 24 تريليون دولار، بما في ذلك الكوبالت (70٪ من الإمدادات العالمية) والليثيوم. ويحذر المحللون من أن كاغامي يلعب لعبة خطرة، مشيرين إلى أن الأمر لا يتعلق فقط بالموارد، بل بالهيمنة الإقليمية.
في المقابل تبدو أوغندا وكأنها تساعد الكونغو ضد جماعات تحالف قوات إسلامية مسلحة من بينها الفرع المحلي لتنظيم داعش. وتنتشر قوات أوغندية في بونيا، وهي تقاطع استراتيجي بالقرب من احتياطيات الذهب والنفط. وبذلك يخاطر الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني بالتصادم مع القوات الرواندية، بما يعيد التوتر الحدودي لعام 2019 الذي تكبدت فيه الدولتان خسائر تجارية بقيمة مليار دولار.
وكانت قوات بوروندي المجاورة أيضا، ومعظم سكانها من عرق الهوتو، منتشرة في جنوب كيفو لكنها انسحبت من المقاطعة هذا الشهر بعد فشل عملياتها المشتركة مع الكونغو. هذا الانسحاب قد يقوّض نظامها بحيث يعيد الفراغ في السلطة إشعال العنف العرقي ويخلق أزمة لاجئين جدد إلى تنزانيا ورواندا.
أكثرَ من 1200 حالة اغتصاب هذا الشهر وحده
بطاريات ورصاص وتنافس القوى الكبرى
كوبالت الكونغو ضروري لبطاريات السيّارات الكهربائية وتملك الصين 85٪ من مناجمها في الكونغو ويعقّد دعم بيجينغ الصامت لرواندا، شريك الصين الرئيسي في مبادرة الحزام والطريق، جهود الغرب لتحطيم الاحتكار الصيني للتكنولوجيا الخضراء. في غضون ذلك، تغازل بقايا ميليشيا فاغنر قادة م 23 للحصول على اليورانيوم لآلة الحرب الروسية.
من خلال م 23، تصل عائدات رواندا السنوية من تصدير المعادن التي تهرّبها من الكونغو إلى مليار دولار، فيما ارتفع سعر الكوبالت بنسبة 2100٪ منذ عام 2016، بسبب ارتفاع الطلب على السيّارات الكهربائية.
في مطلع هذا العام تعهدت الولايات المتحدة بتقديم ملياري دولار لتطوير صناعة النحاس في زامبيا، في تحدٍّ مباشر للهيمنة الصينية على الكوبالت في الكونغو. فمن يسيطر على هذه المعادن يسيطر على التحول في قطاع الطاقة.
الكارثة الإنسانية
الكلفة الإنسانية للعبة الشطرنج الجيوسياسي ثقيلة: أكثر من 100 مدني قتلوا في شمال كيفو منذ نحو شهرين، ووثّقت الأمم المتحدة أكثرَ من 1200 حالة اغتصاب هذا الشهر وحده. وقد انتشرت الأوبئة في مخيّمات اللاجئين على طول الحدود مع رواندا.
فشل الحلول الدولية
تركت قوة الاستعداد التابعة للاتحاد الأفريقي African Standby Force التي تأخر إنشاؤها فراغًا ملأته تحالفات إقليمية غير مجدية، منها منظمة تنمية جنوب أفريقيا التي بدأت بسحب قواتها هذا الشهر بعد خسارة 17 جنديًا، فيما تعثّرت جهود الوساطة الأنغولية.
ومنها أيضًا مهمة الأمم المتحدة في الكونغو MONUSCO المكلفة بالإشراف على وقف إطلاق النار وفق قرار مجلس الأمن الدولي 2773. لكن المجلس خفض وضعها إلى وضع مراقبة.
ومن بُعد، دانت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي العنف، لكنهما تجنبا فرض عقوبات على رواندا، ولم يفعلا شيئا لوقف تهريب المعادن النادرة من الكونغو إلى رواندا.
أربعة سيناريوهات لمستقبل أفريقيا
في هذه المعمعة تقف منطقة وسط أفريقيا أمام أربعة سيناريوهات تمتد من حرب إقليمية إلى قصة نجاح أفريقية.
نظرًا للوقائع العسكرية والسياسية والجيوسياسية، هناك احتمال بنسبة 40٪ لنشوب حرب إقليمية، تبدأ بالاشتباكات بين أوغندا ورواندا، وتمتدّ لتندمج في الحرب الأهلية في جنوب السودان، ثم تجذب تشاد وإريتريا إلى صراع يمتد يشمل وسط القارة.
هناك أيضًا احتمال بنسبة 30٪ لتفكك الكونغو، فتعلن ميليشيا م 23 دولة بروتو-شرقية، فتحذو الجماعات الانفصالية حذوها في كاتانغا وإيتوري.
في الجانب المشرق، هناك احتمال بنسبة 20٪ لتأسيس اتحاد البحيرات الكبرى من خلال اتفاقية برعاية الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لتوزيع عائدات المعادن بين الكونغو ورواندا وأوغندا.
وهناك أيضًا احتمال بنسبة 10٪ لنجاح الاتحاد الأفريقي في تثبيت استقرار غوما.
ماذا في المستقبل
تتطلب الحلول توازنًا بين الواقعية والعدالة، بدءًا من فرض عقوبات مؤلمة فورية على رواندا وتجميد صادراتها من المعادن حتى يتمكن المحققون التابعون للأمم المتحدة من الوصول إلى مسارات التهريب. ثمّ إنّ هناك حاجة فورية إلى إنشاء جسور إنسانية جوية لتجاوز الطرق المسدودة وإيصال المساعدات الإنسانية بواسطة المسيّرات.
على الجبهة الدبلوماسية، يتطلب الحل إحياء محادثات السلام لعام 2003 مع إشراك رواندا اقتصاديًا. وفي الوقت نفسه، يتمسّ الحاجة إلى تمويل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لتسريع نشر القوة الأفريقية. الجاهزة للتدخل.
يبقى أنّ لا يمكن أن يدوم بدون منح المجتمعات المحلية حصة مستحَقَّةً من الثروة المستخرجة من أرضها.