عطفاً على زيارتها السابقة، وفي ظل الأجواء المتوترة أمنياً وتمادي إسرائيل في عدوانها فلا شيء يطمئن في الزيارة الثانية للموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس إلى لبنان. أكثر من ملف ينتظر حضورها: المفاوضات الديبلوماسية بين لبنان وإسرائيل وتدمير سلاح حزب الله والإصلاحات المطلوبة كشرط لإعادة الإعمار والمساعدات الاقتصادية.
من السلاح ستكون البداية. ضغط أميركي متزايد لمصادرة سلاح حزب الله ثم تدميره. ترفض الولايات المتحدة مصادرة الجيش اللبناني لمخازن السلاح والاحتفاظ به جريا على العادة، وتشترط تدميره بالكامل مع وجود شهود دوليين على عملية التدمير. وليس ذلك فحسب بل إنها لا تزال تشكك في عملية المصادرة والتدمير وتعتبرها غير كافية بالنظر إلى إمكانيات المقاومة. يعترف ديبلوماسي غربي بأن الولايات المتحدة تنفّذ أجندة إسرائيل في ما يتعلق بالسلاح والاعتداءات كما تؤيدها في إقامة منطقة عازلة على الحدود الفاصلة مع لبنان. يَتوقَّع أن تحمل أورتاغوس مزيدا من الضغوط على لبنان بعدما فشلت محاولات ثنيها عن مواصلة الضغط خشية الانفجار الداخلي. أبعد من ذلك، يسود تخوّف فعلي من تدهور الوضع في لبنان إذا ما استمرت الضغوط لسحب سلاح حزب الله وفق جدول زمني محدّد. ولم تتردّد الولايات المتحدة في التعبير عن امتعاضها مما ورد في حديث رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون من أن السلاح موضع حوار داخلي.
ترفض الولايات المتحدة منطق الحوار بشأن السلاح وتلتقي مع إسرائيل في القضاء على حزب الله سياسياً بعدما "هزمته" عسكرياً. وهذا ما تؤكده مصادر ديبلوماسية غربية أبدت قلقها من النتائج المرتقبة لزيارة أورتاغوس ربطا بأجندة بلادها المصرّة على فتح مفاوضات ديبلوماسية بين لبنان وإسرائيل بذريعة الحاجة إلى تشكيل لجان مشتركة لمناقشة موضوع الحدود والانسحاب والأسرى.
أورتاغوس التي ستصل السبت إلى بيروت ستتسلم رد لبنان الرافض لمبدأ التفاوض السياسي مع إسرائيل تحت أي عنوان قبل تحرير الأسرى والانسحاب الإسرائيلي من النقاط التي لا تزال محتلة.
بالنسبة للتحذيرات الأوروبية للبنان فإن لبنان مقبل على موجة ضغوط جديدة عنوانها إعادة الإعمار بشرط الإصلاحات والسلاح، وفي حال لم يلقَ الجواب اللبناني الرضى الأميركي فليس مستبعداً أن يكون لبنان أمام سيناريو غزة جديد من ناحية استكمال الضربات الإسرائيلية من دون حدود جغرافية لمداها. حسب المصادر الديبلوماسية فإن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يصر على ربط سحب السلاح بمهلة زمنية لمزيد من الضغط. لكن ليس بإمكان لبنان تحديد مهلة زمنية لذلك ولا يمكنه أن يطلب طلبا كهذا من حزب الله الذي يتعاطى حتى اليوم بمرونة مع الحكومة ويفوّضها مهمة ردع الاعتداءات الإسرائيلية بالطرق التي تراها مناسبة، ولو أنه لا يوفّرها في انتقاداته.
نصح الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون رئيس جمهورية لبنان التعاطي بجدية مع العرض الأميركي
تتمنى المصادر الديبلوماسية لو يتعاطى لبنان بجدية مع التهديد الأميركي المتعلق بالمفاوضات الديبلوماسية كما مع تقديم خطة للإصلاحات لقطع الطريق على المرحلة المستقبلية.
الغريب في الموضوع الإسرائيلي هو التعاطي اللبناني البارد مع التهديدات والاتكال على الضغوط الخارجية . مرة يطلب عون من رئيس جمهورية فرنسا ايمانويل ماركون التدخل لدى ترامب لتخفيف الضغط الإسرائيلي ومرة تعلن الحكومة أن قرار السلم والحرب منوط بها حصراً، لكن لا هذه تستجاب ولا تلك لها صدى. لكأن الدولة في لبنان كيان ضعيف بلا حول ولا قوة وقد سلّمت أمرها للإملاءات الخارجية في حين يتم هدم المنازل الخشبية المؤقتة في القرى والبلدات الحدودية على مرأى ومسمع الجيش اللبناني.
تقول معلومات لبنانية رسمية إن الجواب اللبناني لم ينضج بعد على مقترحات اللجان الديبلوماسية فيما تبلّغ لبنان رسميا أن الوضع قابل للتدهور متى تخلف عن الالتزام بأجندة المطالب الإسرائيلية الأميركية وتخلّف عن إعداد برنامج عمل اقتصادي إصلاحي مقرون هو أيضاً بمهلة زمنية محددة.
وليس مستبعدا والوضع قد بلغ ما بلغ أن يعقد الرؤساء الثلاثة اجتماعا لتوحيد الموقف بشأن المطلب الأميركي حيال اللجان الديبلوماسية وقطع الطريق على محاولات الضغط تحت حجة تعريض الاستقرار الداخلي للخطر.
خلال زيارته عون إلى فرنسا نصح الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون رئيس جمهورية لبنان التعاطي بجدية مع العرض الأميركي وإيجاد الجواب الذي يجنّب لبنان تدهور الأوضاع من ناحية إسرائيل. كما أبلغه أن إسرائيل لم تكن بوارد البحث عن مفاوضات ديبلوماسية وهي التي تقوم بما تريد من دون رادع غير أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يصرّ على الشروع بمفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل.
تلك كانت نصيحة فرنسا التي لا تملك أبعد من النصح لتفيد به لبنان. وهي تعلم ضمنا أنه سلّم نفسه لقدره وهو الرزوح تحت وطأة تهديدات إسرائيلية مغلفة بماركة أميركية علنية.